محمد حسين علي الصغير
270
المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم
عبدي ، إياي يعبد ، أشهدكم لأثيبنه على عبادته ثوابا يغبطه كل من خالفه في عبادته لي ، فإذا قال : وإياك نستعين ، قال اللّه تعالى : بي استعان عبدي ، والتجأ إلي ، أشهدكم لأعيننه على أمره ، ولأغيثنه في شدائده ، ولآخذن بيده يوم نوائبه ، فإذا قال : اهدنا الصراط المستقيم إلى آخر السورة ، قال اللّه عز وجل : هذا لعبدي ولعبدي ما سأل ، وقد استجبت لعبدي وأعطيته ما أمل ، وآمنته مما منه وجل » « 1 » . وهذا النص إضافة إلى ما تقدم ، ترغيب أخلاقي ، وحث تعبدي للتدرع بصدق التوجه نحو اللّه بمضامين هذه السورة ، فكأن اللّه تعالى قد ألهم عبده مع التخطيط المسبق طريقة العبادة الخالصة بما علّمه إيّاه بالنيابة عنه عند إنابته إليّ في أسمى مراتب العبودية المحضة ، وهذا أعظم درس تربوي منظم تحققه السورة المباركة . فإذا جئنا إلى هذه العبادة من خلال هذا الدرس ، الذي تحثنا عليه السورة ، فإننا نلحظ - بعد التدبر - أن هذه العبادة منهج تربوي أصيل ، لأنها تنظم حياة الفرد والأمة ، وتوجه دفة الاجتماع ، وتسير نظام الكون ، فإذا التزمت بأصولها ، وطبقت بمفاهيمها ، أعطت ثمار مصداقيتها ، فلا عدوان على العباد ، ولا جبروت في الأرض ، ولا بخس لأشياء الناس . العبادة بنقائها قوة مسيطرة على العالم ، تمنع الظلم ، وتصد الفحشاء ، وتطارد البغي ، لأنها تصقل الروح الانسانية ، فيتجلى بها الناس في منظور واحد ، أخوة في ذات اللّه ، وسواسية بين يدي اللّه تعالى ، فلا إثرة ولا اعتداء ولا تطاول ، فالعبد الصالح حينما يلقنه اللّه القول : إياك نعبد وإياك نستعين ، فإنه لا يعبد إلا اللّه ، ولا يستعين إلا بمولاه ، وفي هذين اللحاظين مدركان : أ - انطماس آثار الصنمية المقيتة وعبادة الأوثان . ب - اندثار الاستعانة بالطواغيت وأرباب السلطان ، وإذا تم ذلك عرف الانسان ربه ، ولم يخف إلا ذنبه ، واحترم حقوق الجماعة الانسانية فلا قتل ولا قهر ولا اغتصاب ، فهو لا يدأب إلّا باتجاه يسدد خطواته من
--> ( 1 ) الصدوق ، عيون أخبار الرضا : 1 / 30 وما بعدها .