محمد حسين علي الصغير

258

المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم

يبصرها إلا ذوو الأذهان الصافية ، والعقول النافذة ، والطباع السليمة ، والنفوس المستعدة لأن تعي الحكمة ، وتعرف فصل الخطاب » « 1 » . 5 - وفي نسبة الغضب إلى اللّه تعالى في قوله : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وهو من الصفات الفعلية التي يوجدها اللّه تعالى ، مجاز مرسل ، ولا يحمل بالنسبة لذاته القدسية على حقيقته اللغوية عند الاطلاق ، ويجري الغضب هنا مجرى الرحمة فيما سبق من وجه ، ويمكن حمل ذلك على الاستعارة التمثيلية كما يذهب إلى ذلك الزمخشري ( ت : 538 ه ) بقوله : « فإن قلت : ما معنى غضب اللّه ؟ قلت : هو إرادة الانتقام من العصاة وإنزال العقوبة بهم وإن يفعل بهم ما يفعله الملك إذا غضب على من تحت يده ، نعوذ باللّه من غضبه ونسأله رضاه ورحمته » « 2 » . وإيضاح القول في ذلك : إن اللّه تعالى لما امتنع وصفه بحقيقة الغضب ، وجب حمل الكلام على المجاز ، والمجاز هنا مرسل من قبيل إطلاق السبب وإرادة المسبب ، وإلا فهو استعارة تمثيلية ، والاستعارة جزء من المجاز ، وكان ذلك تعبيرا عن إرادة الانتقام ، واستحقاق العقاب ، كما يجري ذلك عند البشر كأمثال غضب الراعي على رعيته ، وإلى هذا ذهب الشيخ الطوسي بقوله : « وأما الغضب من اللّه فهو إرادة العقاب المستحق بهم ، ولعنهم وبراءته منهم » « 3 » . وللغضب إفادة شمولية أخرى تستوعب جميع من تنكب القصد ، وعدل عن الجادة ، ذلك لاقترانه باستعمالات القرآن الكريم مع اللعنة ، ومع الرجس ، ومع العذاب العظيم . فالأول كقوله تعالى : مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ « 4 » . والثاني كقوله تعالى قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ « 5 » .

--> ( 1 ) الجرجاني ، أسرار البلاغة : 60 . ( 2 ) الزمخشري ، الكشاف : 1 / 71 . ( 3 ) الطوسي ، التبيان : 1 / 46 . ( 4 ) المائدة : 60 . ( 5 ) الأعراف : 71 .