محمد حسين علي الصغير
25
المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم
8 - وفضلا على ما تقدم يجد الباحث في القرآن العظيم ثقافة موسوعية على نحو خاص من العرض والمعالجة والتشريع . فقد تحدث عن الأحوال الشخصية : في الزواج والطلاق والنفقة والمواريث ، وأحكام الأولاد ، والوصايا والحدود والديات والجروح والقصاص بما لا عهد فيه لأعرق الأمم تأريخا ، وأعمقها تفقها ، ثم تكفل ببيان فروض وواجبات وطقوس منظمة ضمن الحياة اليومية كالصلاة ، وفي بعض الشهور كالصوم والحج والعمرة ، وفي خلال السنة كالزكاة والخمس في المحاصيل والغنائم ، وكانت السنّة الشريفة مبينة لمجملها ، ومتكفلة بتفصيلها . فإذا تركنا هذا الجانب ودرسنا القرآن موضوعيا وتأريخيا وجدناه قد اشتمل على المتشابه من الألفاظ ، والمحكم من التشريع ، والناسخ والمنسوخ ، والمجمل والمفصل ، والمبهم والمبين ، والعام والخاص ، والمطلق والمقيد ، والظاهر وما وراء الظاهر ، فيد اللّه وعينه ووجهه وعرشه وكرسيه واستواؤه ومجيئه ، والحروف الهجائية المقطعة في فواتح بعض سوره ، كل أولئك بحاجة إلى الكشف والايضاح . والألفاظ المتلاحقة كالحمإ والفخار والتراب والطين اللازب في الأصل التكويني للإنسان مما يدعو إلى التفسير والبيان . وآية النجوى وناسخها ، والقتال ومراحله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وشرائطهما ، والجهاد في سبيل اللّه وأضراب ذلك مما ينبغي الإبانة عنه والإظهار له . فإذا ودعنا هذا واستقبلنا الإشارات البلاغية التي لا يستطيع استخراج كنوزها إلا من أوتي نصيبا وافرا من العلم ، يكشف به والحدس الاستعاري ، والاستعمال المجازي ، والتفنن البياني ، والبعد الرمزي ، والحس التشبيهي ، تأكدت لنا أهمية التفسير ومدى الحاجة إليه . لهذا كانت مهمة التفسير مهمة شاقة ومضنية ، إذ لا بد للمفسر من الإحاطة بشتى الفنون ، والخوض بجملة من المعارف ، والتزود بمختلف الثقافات . وقد أعار الأقدمون التفسير أهميته ، وأعربوا عن ذلك بكثير من المأثور بأقوالهم ، وفي طليعة من أشار إلى ذلك بجوامع كلمه سيدنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم فقد روي عنه أنه قال : « أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه » « 1 » .
--> ( 1 ) الطبرسي ، مجمع البيان : 1 / 13 .