محمد حسين علي الصغير
220
المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم
ولقد أكدت هذه الآيات من الحقائق ما لا يحيط بتفصيله نسق آخر من البيان ، أو نمط من فن القول ، وأول هذه الحقائق إثباتا جاءت عن طريق نقض النقيض في البرهان : قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ ( 81 ) . فقد ربطت الآية بين الرسول والعبادة ، لنفي ما يزعمون للّه تعالى من ذرية ، إذ لو كان للّه ولد ، من باب الفرضيات ، لكان أحق الناس بعبادته هو النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم لأنه قريب من اللّه ، وحقيق بأن يعلم من اللّه ما لا يعلمه غيره ، ولما كان النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم قد تمحض بعبادته وعبوديته للّه وحده لا شريك له ، فقد نقض زعمهم بدليل دفع هذا الزعم من قبل المقربين إلى اللّه . قال الزمخشري ( ت : 538 ه ) « وهذا الكلام وارد على سبيل الفرض والتمثيل لغرض : وهو المبالغة في نفي الولد والاطناب فيه ، وأن لا يترك الناطق به شبهة إلا مضمحلة ، مع الترجمة عن نفسه بثبات القدم في باب التوحيد ، وذلك أنه علق العبادة بكينونة الولد وهي محال في نفسها ، فكان المعلق بها محالا مثلها ، فهو في صورة إثبات الكينونة والعبادة وفي معنى نفيهما على أبلغ الوجوه وأقواها » « 1 » . وقد اتكأ الألوسي ( ت : 127 ه ) على ما أورده الزمخشري وأضاف له : « وهو الطريق البرهاني والمذهب الكلامي فإنه في الحقيقة قياس استثنائي استدل فيه بنفي اللازم البين انتفاؤه وهو عبادته صلى اللّه عليه وآله وسلّم للولد على نفي الملزوم ، وهو كينونة الولد له سبحانه » « 2 » . وذهب الطباطبائي ( ت : 1403 ه ) في المعنى إلى أنه : « إبطال لألوهية الولد بإبطال أصل وجوده من جهة علمه بأنه ليس ، والتعبير بأن الشرطية دون لو الدالة على الامتناع - وكان مقتضى المقام أن يقال : لو كان للرحمن ولد - لاستنزالهم عن رتبة المكابرة إلى مرحلة الانتصاف . والمعنى : قل لهم : إن كان للرحمن ولد ولا كما يقولون ، فأنا أول من يعبده أداء لحق بنوته ومسانخته لوالده ، لكني أعلم أنه ليس ، ولذلك لا
--> ( 1 ) الزمخشري ، الكشاف : 3 / 497 . ( 2 ) الآلوسي ، روح المعاني : 25 / 104 .