محمد حسين علي الصغير
215
المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم
ينظرون إليها حقيقة واقعة مذهلة ، والساعة وأمرها مما انفرد اللّه بعلمه وتفصيلاته ، وتدل الآيات القرآنية في أكثر من موضع على قيامها مقترنا بعنصر المفاجأة دون إنذار مسبق ، أو وقت مبيت ، وهو غيب ينطلق إيماننا به بالضرورة لأنه من أركان هذا الدين ، وهو فرع من إيماننا بالقرآن والرسالة جملة وتفصيلا . وتصاحب ذلك أمارات وعلامات في التغيير الكوني لجميع مظاهر العوالم في السماوات والأرض وما فيهما حيث يتم الانقلاب الشامل المدهش إيذانا بالقيامة ، وكأن الدنيا لم تكن والآخرة لم تزل ، ووضعت الموازين ، ورفع القلم ، والظاهرة التي تثيرها الآية هنا مضافا إلى الظواهر الأخرى في آيات أخرى ، إنّ المتحابين في الدنيا باستثناء المتقين ، وقد كانوا في أمن ودعة ، ومنأى عن الفرقة والخصام والبغضاء ، ينقلبون إلى أعداء متلاومين ، ذلك أنهم كانوا متعاضدين على الكفر والضلال ، مجتمعين على الباطل والفسوق ، وإذا بهم أعداء في الروح والذات ، وخصوم في اللقاء ، يبرأ أحدهم من الآخر ، ويلقي بعضهم على بعض بالتبعة ، وهذا الانقلاب في السلوك جزء من الانقلاب الكوفي وكأنه يشمل النفوس المتحابة في الشر ، المتعاونة على العدوان ، فأما المتقون فثباتهم في الحياة الدنيا عاد أداة استمرارية لثباتهم في الحياة الأخرى ، فلا عداء يفهم ولا ملاحاة ، بني اتصالهم على الحق ، وكان حبهم في ذات اللّه ، بعيدا عن المظهر المادي المغلف ، والحب الدنيوي الكاذب ، فلقد كانوا أخلاء صدق ، وبقوا أخلاء صدق ، وذلك قوله تعالى : الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ( 67 ) . وما زال في حديثه عن المتقين فإنه يشرفهم بالقرب منه بندائه الكريم : يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ( 68 ) ، إن اللذة الروحية بهذا النداء لتفوق بأحاسيسها الاحساس بأي عطاء مادي مهما كان قيما ، فهو تشريف لهم بالخطاب المقترن بصفة العبودية سيماء لهم ، مما يزيدهم شرفا ، وباستقراء القرآن الكريم نجد هذه الصفة مطردة بأصفياء اللّه ، فكل صدّيق عبد له ، وكل نبي من عباده ، وكل مرسل يشرف بهذا الوسام ، ولا نريد استقراء هذه الظاهرة واستطرادها ، فقد يخرج بنا عن صميم الموضوع ، بيد أن الباري فقد خاطب النفس الانسانية المتمثلة بالمتقين فقال تعالى : يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ( 27 ) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً