محمد حسين علي الصغير
211
المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم
وفي حديث آخر : كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم وإمامكم منكم « 1 » . وقيل : إنّ الهاء في قوله ( وأنه ) يعود إلى القرآن ، ومعناه : إن القرآن لدلالة على قيام الساعة والبعث يعلم به ، وقيل معناه : إن القرآن لدليل الساعة لأنه آخر الكتب أنزل على آخر الأنبياء . وقد روي ذلك عن أبي مسلم « 1 » . وعلم الساعة من الغيب الذي اختص به اللّه لنفسه - كبقية ما اختص وتفرد بعلمه - حدثنا به القرآن فآمنا به وصدقنا ، والآية تدعو إلى عدم التشكيك فيه باتباع الرسول الأعظم لأنه يوصلهم إلى صراط قيم لا لبس فيه ، ونهج بيّن لا شبهات حوله ، أما الشيطان فيقلب لهم ظهر المجن ، فبينا يذلل لهم سبل الانحراف ، وإذا به يبرأ منهم ، فهم وإياه في محنة ، لذا يرد النهي مرارا وتكرارا عن الائتمار بإيحائه ، والامر بالابتعاد عن إغوائه ، والتحذير العام هو طريق النهي والأمر ، باعتباره عدوا مسفرا بعدائه : وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 62 ) . « والقرآن لا يفتأ يذكر البشر بالمعركة الخالدة بينهم وبين الشيطان منذ أبيهم آدم ، ومنذ المعركة الأولى في الجنة ، وأغفل الغافلين من يعلم أن له عدوا يقف له ، بالمرصاد عن عمد وقصد ، وسابق إنذار وإصرار ثم لا يأخذ حذره ، ثم يزيد فيصبح تابعا لهذا العدو الصريح . وقد أقام الاسلام الانسان في هذه المعركة الدائمة بينه وبين الشيطان طوال حياته على هذه الأرض ، ورصد له من الغنيمة إذا هو انتصر ما لا يخطر على قلب بشر ، ورصد له من الخسران إذا هو اندحر ما لا يخطر كذلك على قلب بشر ، وبذلك حول طاقة القتال فيه إلى هذه المعركة الدائبة التي تجعل من الانسان إنسانا ، وتجعل له طابعه الخاص بين أنواع الخلائق المتنوعة الطبائع والطباع ، والتي تجعل أكبر هدف للانسان على الأرض أن ينتصر على عدوه الشيطان ، فينتصر على الشر والخبث والرجس ، ويثبت في الأرض قوائم الخير والنصح والطهر » « 3 » .
--> ( 1 ) الطبرسي ، مجمع البيان : 5 / 54 . ( 3 ) سيد قطب ، في ظلال القرآن : 25 / 95 .