محمد حسين علي الصغير
209
المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم
امتعضوا من ذلك امتعاضا شديدا ، وحاولوا الايهام والايفال في التفسير « فقال عبد اللّه بن الزبعرى : يا محمد أخاصة لنا ولآلهتنا أم لجميع الأمم ، فقال عليه السلام : هو لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم ، فقال خصمتك ورب الكعبة ، ألست تزعم أن عيسى بن مريم نبي ، وتثني عليه خيرا وعلى أمه ، وقد علمت أن النصارى يعبدونهما ، وعزير يعبد ، والملائكة يعبدون ، فإن كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم ، ففرحوا وضحكوا . . . ونزلت هذه الآيات « 1 » : وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ( 57 ) وَقالُوا أَ آلهتنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ( 58 ) إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ ( 59 ) . ولكنهم تجاهلوا عامدين أن المراد هو أصنامهم وأوثانهم التي صوروها وصنعوها بأيديهم ثم عبدوها عبادة خالصة وإنما تذرعوا بشبهة تكشف عن طبيعة القوم في المراء الظاهر والاحتجاج المرير اليائس ، ولم يعقلوا أن ( ما ) في قوله تعالى : وَما يَعْبُدُونَ لغير العاقل في أصل الاستعمال عند العرب ، وقد أستثني بها عيسى وعزير والملائكة بالدليل اللفظي كما يقولون ، فضلا عن الدليل العقلي القاضي بتنزيه الأنبياء ، إلا أنهم - تمسكا بالجدل والمخاصمة - لجوا في مهاترات جانبية ، لأن ضربهم المثل بعيسى باطل من أساسه ، إذ ليس عمل النصارى حجة ، ولا تعبدهم إمارة على الصحة ، بدليل الانحراف العقائدي والتخليط في الوحدانية الذي يمارسهما بعضهم بمحض الغلو والافتراء . والانحراف وإن تعددت جبهاته فهو واحد : ضلال في ضلال . وأما عيسى بن مريم فهو عبد من عبيد اللّه لم يأنف عن عبادته ، وقد ضل من عبده من دون اللّه أنى كانت هويته . وقد أنعم اللّه على عيسى بشرف النبوة والرسالة والولادة دون أب ، ليظل دليلا شاخصا نحو الحق ، وآية يقتدي بها من يريد الوصول إلى استكناه بعض اللمحات من قدرة اللّه تعالى « 2 » .
--> ( 1 ) الزمخشري ، الكشاف : 4 / 259 . ( 2 ) المؤلف ، الصورة الفنية في المثل القرآني : 277 وما بعدها .