محمد حسين علي الصغير

199

المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم

أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 40 ) فمهمة الرسول مهمة تبشيرية وتحذيرية ، ووظيفته تمهد سبل الهداية والرشاد ، فإذا أدى ما عليه سقط الواجب عنه ، وبقي واجب من بلغ ، وهو مخيّر في مثل هذه الحال ، ويبدو أن القوم في غفلة من الأمر ، لما أشعر به القرآن عن مبلغ عتوهم وجبروتهم حتى عادوا كالصم والعمي بعدم استفادتهم بما أفاء اللّه عليهم من جوارح وحواس كان عليهم أن يتلمسوا بها مواطن الرشد ، فهم صم عن سماع دعوة الحق ، وهم عمي عن إبصار موقع الهدى ، أغلقوا منافذ الوعي ، وعطلوا مسالك البصيرة ، فهم كالحجارة أو أشد قسوة ، والرسول قد تدرج بواجباته حتى أتمها ، ولكن لا سبيل إلى هدايتهم ، فليقفوا - إذن - بين محذورين : فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ ( 41 ) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ ( 42 ) . هم الآن أمام تحد شامل لكل الأحلام ، إنه لتحديد بليغ وحصر بين حالتين ، فإن قبض اللّه نبيه إليه ، فهو يتولى الانتقام من أعدائه ، ويشفي بذلك صدور المؤمنين ، وإذا قدر له البقاء فسوف يتحقق الانذار بكل قوة واقتدار ، فهم لا يعجزون اللّه ، أما في الآخرة فيحيط بهم إحاطة شاملة ينفذ بها شدة وعيده ، فهو لا يفلتون منها كما لا يفلت المحاط به من المحيط ، وأما في الدنيا فقد قدر لطفاتهم أن يلاقوا مصارعهم في بدر وغير بدر ، وأن ينكبوا ماديا ومعنويا وعسكريا بنكبات ارتفعت بوقعها عليهم إلى مستوى الكوارث الساحقة . أما الرسول الأعظم فوظيفته أداء رسالته بكل أمانة ودقة وإخلاص ، ضلوا عنها أو هدوا إليها : فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 43 ) . وإذا كان الأمر كما قدر اللّه ، وهو كما قدر اللّه تعالى من نصر نبيه لا محالة ، ومن الانتقام من المكذبين غير معجزين ، فالتمسك بالذي أوحي إليه من الآيات البينات ، أمر طبيعي الصدور ، وكأن الآية تقول : سر بطريقك يا محمد لا يضيرك شيء ما ، فإنك بكل تأكيد على الجادة والصراط الواضح الذي لا ينحرف بك يمينا ولا شمالا . وفي ذلك تثبيت للرسول على طريقته ، وتبشير له باستقامة أمره ، وبعد ذلك فالقرآن شرف عظيم لمحمد صلى اللّه عليه وآله وسلّم ومجد أثيل لقريش ، ورمز شامخ للعرب ، وعز لكل المسلمين