محمد حسين علي الصغير

183

المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم

قلت : كم من راكب دابة عثرت به أو شمست أو تقحمت أو طاح من ظهرها فهلك ، وكم من راكبين ، في سفينة انكسرت بهم فغرقوا ، فلما كان الركوب مباشرة أمر مخطر ، واتصالا بسبب من أسباب التلف : كان من حق الراكب وقد اتصل بسبب من أسباب التلف أن لا ينسى عند اتصاله به يومه ، وأنه هالك لا محالة فمنقلب إلى اللّه غير منفلت من قضائه ، ولا يدع ذكر ذلك بقلبه ولسانه حتى يكون مستعدا للقاء اللّه باصلاحه من نفسه ، والحذر من أن يكون ركوبه ذلك من أسباب موته في علم اللّه وهو غافل عنه ، ويستعيذ باللّه من مقام من يقول لقرنائه : تعالوا نتنزه على الخيل أو في بعض الزوارق ، فيركبون حاملين مع أنفسهم أواني الخمر والمعازف ، فلا يزالون يسقون حتّى تميل طلاهم وهم على ظهور الدواب ، أو في بطون السفن ، وهي تجري بهم لا يذكرون إلا الشيطان ، ولا يمتثلون إلا أوامره « 1 » . ويشدنا هذا السياق الفريد إلى محاججة المشركين وتقرير أخطائهم بعد ما تبين من آلاء الرحمن ، وثبت من بديع قدرته ، وتدبيره لحياة الناس ، فيرتبط الموضوع بما قبله نظما وسياقا ووحدة ، فهنا يقرر فضل اللّه ، وعظيم تصرفه ، وفيما يلي يقرر وحدانيته وتفرده بتصريف الأمور ، بعد أخذ ورد ، وصد ومناقشة ، وجدال وحجاج ، ينتهي بضرورة التفكير بعاقبة المكذبين ، والدعوة إلى النظر في ذلك بعد الانتقام منهم ، والقضاء عليهم ، وكما ما ستراه في الآيات التالية :

--> ( 1 ) الزمخشري الكشاف : 4 / 189 .