محمد حسين علي الصغير
177
المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم
والترحل ، وباهتدائكم لذلك رجاء للاهتداء في معرفة اللّه وتوحيده . وما تذليل هذه الأرض ، وتذليل منافعها ، وكشف مجاهلها إلا نعمة من نعمه التي يجب أن نتبصر عن طريقها إلى عظيم قدرته ، ودقة تدبيره ، لنخلص من وراء ذلك إلى الإنابة لأننا ندرك إدراكا جيدا بأن تمهيد الأرض للبشر والكائنات الحية لم يكن أمرا فجائيا وليد فكرة عاجلة مضطربة ، وإنما جاء نتيجة لقدرة إبداعية أزلية مدركة ، فقد رتب فيها كل شيء ترتيبا دقيقا متناهيا في الدقة ، فالأرض مرت بأطوار بعد أطوار حتى عادت صالحة للاستعمال والاستقرار ، وقد أودعها اللّه من عناصر التأقلم على الحياة ما أودعها ، وما الجاذبية إلا مظهر من مظاهر ذلك ، وإلا لتساوت الأرض مع أي كوكب من الكواكب الثابتة أو السيارة التي لا تصلح لحياة الانسان « وهذه الجاذبية ذاتها قد جعلها الخالق متعادلة مع عوامل الدفع الناشئ من حركة الأرض فأمكن أن تحفظ الأشياء والاحياء من التطاير والتناثر وفي الوقت نفسه تسمح بحركة الانسان والاحياء على سطح الأرض ولو زادت الجاذبية عن القدر المناسب للصقت الأشياء والاحياء بالأرض وتعذرت حركتها أو تعسرت من ناحية ، ولزاد ضغط الهواء عليها من ناحية أخرى فألصقها بالأرض إلصاقا ، أو سحقها كما نسحق نحن البعوض والذباب بضربة تركز الضغط عليها دون أن تمسها أيدينا ، ولو خفّ هذا الضغط عما هو عليه لانفجر الصدر والشرايين انفجارا » « 1 » . وفي هذا التخطيط تتجلى العظمة الإلهية في تمهيد الأرض في ملحظ واحد ، فإذا أضفت إليه إنارتها بالكواكب وهديها بالنجوم ، وحفظ توازنها بالجبال ، وإحاطة غلافها بالهواء ، وتهيئة ترتبها للازدراع ، وشق أنهارها بالمياه ، وتلوين مناخها بين الدفء والابتراد خرجنا بدقة تدبير الذات المبدعة لهذا الكون . 4 - إنزاله الماء من السماء بقدر ، للإشارة بل التصريح أنه لو أنزله دون نظام ودقة وميزان لفاضت الأرض ولغاضت البركات ، وفيه لمح الإرادة لسلامة التدبير عند الغاية المتوخاة وهي إحياء الأرض بعد مواتها ،
--> ( 1 ) سيد قطب ، في ظلال القرآن : 25 / 66 .