محمد حسين علي الصغير
173
المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم
« إرسال الأنبياء » وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ ( 6 ) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 7 ) فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ ( 8 ) . هذه الآيات الثلاث تتحدث في ملحظين : ملحظ التعريض بقريش من جهة ، وملحظ تسلية النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم من جهة أخرى ، وتخلص إلى فلسفة رصد الذكر للمسرفين بتعليل عدم صرفه عنهم إجراء للسنن الكونية التي لطف بها اللّه في هداية البشر ومواطن ارشادهم ، بهذا السيل الجارف من الرسل تجاه الأمم السالفة والشعوب المختلفة ، فأبان تعالى إن ديدن هذه الأمم هو تكذيب أولئك الرسل ، والاستهزاء بهم ، فينبغي والحالة هذه أن يتعزى الرسول الأعظم بمن سبقوه من أولي العزم وأن يصبر على قومه كما صبروا من ذي قبل ، فكفرة قريش ومردتها وإن سلكوا مسلك السابقين من المستهزئين ، ونهجوا نهجهم في التكذيب والسخرية إلا أن بانتظارهم مصيرا كمصير سلفهم من الجاهلين ، فالاستهزاء والتكذيب والعناد عادة قديمة جارية اقترفتها أمم قد خلت استصغارا لشأن الأنبياء ، وهذا لا يوهن العزيمة ، ولا يلوي بالعنان فقد حاق بالمستهزئين ما كانوا به يستهزءون . وقد سبق لهذا القرآن أن أخبر بشبه هذه المفارقات فيما مضى من الآيات البينات المتحدثة عن عقلية هذه الأمم ، واللامحة لموقف أولئك الرسل ، والتأريخ يعيد نفسه : تكذيب لكل نبي ، واستهزاء بكل رسالة ، والمواجهة نفس المواجهة : عذاب لكل مكذب ، عذاب أرضي أو سماوي ، دنيوي أو أخروي ، كلي أو جزئي ، استئصالي أو انفرادي ، ذاتي أو جماعي . إلا أن السنة الدارجة تقتضي نصر الرسل ، وانبعاث الرسالات رغم كل العقبات والعراقيل ، فقد وعد هؤلاء الأنبياء بالنصر وقد تم لهم ، واستدرج المكذبون