محمد حسين علي الصغير

169

المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم

« وقيل تقديره : ورب الكتاب » « 1 » . وإذا كان ذلك كذلك ، فقد أقسم اللّه بنفسه ، وهو أمر محتمل ، إلا أن السياق يدل دلالة كاشفة أنه أقسم بكتابه في صورته هذه بكونه مبينا ومفصلا لكل شيء ، « وهو من الأيمان الحسنة البديعة لتناسب القسم والمقسم عليه ، وكونهما من واد واحد » « 2 » وذلك قوله تعالى : إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 3 ) وهذا هو المقسم عليه فكان جواب القسم مصححا للقسم ، لهذا أورد الرازي ( ت : 606 ه ) لفلسفة القسم وجهين هما : الأول : أن يكون التقدير هذه حم والكتاب المبين فيكون القسم واقعا على أن هذه السورة هي سورة حم ، ويكون قوله إنا جعلناه قرآنا عربيا ابتداء لكلام آخر . الثاني : أن يكون التقدير : هذه حم ، ثم قال : والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا فيكون المقسم عليه هو قوله : إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا « 3 » . والوجه الثاني مما نأنس له في أن القسم منصبّ على القرآن بكونه عربيا ، أما كون القرآن مبينا فهو إشعار بعظيم الهبة التي تكرم بها الباري على الأمة العربية ، فقد أنزل بلغة العرب ولسانهم ، فعبد طرق الهداية ، وكشف مسالك العمى والضلال ، وأبان معالم النور والحكمة . والبيان هو الدليل الدال على صحة الشيء أو فساده . « وقيل هو ما يظهر به المعنى للنفس عند الإدراك بالبصر والسمع ، وهو على خمسة أوجه : باللفظ ، والخط ، والعقد بالأصابع ، والإشارة إليه ، والهيئة الظاهرة للحاسة ، كالإعراض عن الشيء والاقبال عليه ، والتقطيب وضده وغير ذلك . وأما ما يوجد في النفس من العلم فلا يسمى بيانا على

--> ( 1 ) الطوسي ، التبيان في تفسير القرآن : 9 / 180 . ( 2 ) الزمخشري ، الكشاف : 4 / 185 . ( 3 ) الرازي ، مفاتيح الغيب : 7 / 290 .