الشيخ عبد الشهيد مهدي الستراوي
93
القرآن نهج و حضارة
الإعجاز . . وجه آخر : لعل فصاحة القرآن وبلاغته ليست الدلالة الوحيدة على عظمته وإعجازه ، بل للقرآن عظمة أخرى ، تجلت في تحديه بما جاء به من قيم خالدة ، لم يستطع العرب أن يقفوا أمامها ، كما وقفوا أمام فصاحة القرآن وبلاغته ، لأن هذه القيم كانت ثورة على الأفكار الجاهلية ، وتصحيحا لمسار البشرية جمعاء . فلم يكن هذا الكتاب مقتصرا على نوع واحد من التحدي ، كما يصوره أكثر من يكتب عن القرآن ، وهو التحدي في جانب البلاغة والفصاحة ، وكأنه لا يحتوي غير ذلك من الأعجاز ، صحيح أن ذلك هو أحد أنواع التحدي والأعجاز في كتاب اللّه عز وجل . ولكن هناك جوانب أخرى ، ومؤشرات كثيرة تدلل على عظمة وإعجاز القرآن في مواضيع مختلفة ، علينا أن لا نهمل تلك الجوانب وهي التي تتمثل في أبعاد هذا الكتاب ، فما هي أبعاده ؟ أولا : البعد الثبوتي ليس المقصود بهذا البعد إثبات القرآن من الناحية السندية أو الانتسابية ، وإلى أي مدى يصح نسبة هذا الكتاب إلى اللّه عز وجل ، إن القرآن غني عن ذلك لأنه كتاب فريد فلم ترد عليه شبهة ، ولم تناله يد التحريف من بين الكتب السماوية إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ « 1 » ونحن لسنا بصدد إثبات صدوره ، فهو ثابت بالتواتر من جيل إلى جيل عند المسلمين ، ولعل بيان معالمه التي أحدها هو هذا البعد يكفي لإثبات صدوره من اللّه عز وجل خالق الكون .
--> ( 1 ) سورة الحجر آية 9