الشيخ عبد الشهيد مهدي الستراوي
51
القرآن نهج و حضارة
أولا : منذ أن خلق اللّه سبحانه وتعالى أبانا آدم وأمنا حواء ، أعطى لهم الحرية في تناول ما لذ وطاب باستثناء شجرة واحدة ، وهذا يعني ، ينبغي عليهم الالتزام بالقانون الإلهي ، ولم يفرض عليهم مجموعة من القوانين ، بل اكتفى بقانون واحد وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ « 1 » . ولكن بعد خطيئته ونزوله إلى الأرض ، وبتوالد البشر وتكاثرهم عبر الدهور ، تعقّدت حياتهم ، وأصبح لزاما على الإنسان أن يكون جماعات ومن ثم مجتمعات وأمم ، ولا بد من وجود ضوابط وقوانين ، تحمي حقوقهم ، وترتب عليهم واجبات تجاه أنفسهم وتجاه المجتمعات الأخرى . ولهذا لم يترك اللّه عز وجل البشر يتخبطون فيما بينهم بالنظم الوضعية ، بل توالت الكتب السماوية عليهم ، وانزل الأنبياء والرسل ( ع ) ، وكان آخرهم القرآن الكريم على خاتم الأنبياء محمد ( ص ) . لأنه مهما حاول الإنسان أن يستخدم كل طاقاته الفكرية وإمكانياته المادية فلن يستطيع أن يتوصل إلى ذرة من الفيض الإلهي . فلقد مرّت البشرية بمراحل متعددة وهي في كل يوم تطالعنا بقانون جديد ، الهدف من ذلك هو ضبط الإنسان ، سلوكا ومنهجا ، فردا ومجتمعا في قنوات معينة ، وعبر قوانين محدودة ، ولم تكن تنجح إلا في حدود ما وافق الشريعة السماوية ، أو ما كان مستلهما من رؤى الدين وبصائره ، وموافقا لهدى العقل . فعلا الدين رسالة السماء ، لا تلغي كل قانون يضعه الإنسان فيما إذا كان
--> ( 1 ) سورة البقرة آية 35