الشيخ عبد الشهيد مهدي الستراوي

255

القرآن نهج و حضارة

الكاملة . فأقام النبي ( ص ) صرح الحكومة الإسلامية وفق تلك الآيات حيث دعته إلى تنظيم العلاقة بين الناس وإقامة الحدود والفرائض والقضاء وسائر ضروب العبادات والمعاملات وإقامة القوانين الاقتصادية والسياسية والمعاهدات والمواثيق الدولية وبيان أحكام الجهاد في الإسلام . وكل ذلك قد أبرز هيبة النبي ( ص ) وقوته من خلال التفاف الجمع الكبير حوله في المدينة مما دعاه إلى إقامة هذا الصرح بأمر السماء ، وكانت تلك الهيبة التي تحوطها أخلاقه واستتباب الأمر له . كل ذلك جعل الوحي يأتي بآيات من السماء تدعوا النبي ( ص ) لمناقشة أهل الكتاب ودعوتهم إلى الإسلام ، وكانت سورة البقرة وآل عمران والمائدة والفتح وغيرها حافلة بالآيات التي تعالج انحرافاتهم عن العقيدة الحقة وتحريفهم لكتب السماء . وقد تم بيان هذه الآيات لهم من خلال محاكمتهم إلى العقل والتاريخ ، وإرجاعهم إلى جذورهم وفطرتهم إن لم يؤمنوا بهذا الكتاب وما فيه من براهين على صدق دعواه . لذا امتازت المدينة بطولها باعتبار التفصيل للأدلة على تلك الحقائق الدينية التي ساقتها هذه الآيات لردع أهل الكتاب عن غيهم ، وإبعادهم عن طريق الانحراف ، بعد تحكيم أسلوب الحوار الهادئ معهم ، وبسط أسلوب الإقناع . ولم يكن أهل الكتاب فقط موردا للآيات المدنية بل كانت هناك فئة أخرى في المجتمع ، فجاءت الآيات القرآنية تحذر النبي ( ص ) وهم أهل النفاق الذين تزعموا حركة سياسية مناهضة لم تكن ظاهرة للعيان ، وكانت تحمل في داخلها أهدافا ارتكزت على الحقد والمكر والخديعة ، فنجد القرآن النازل في المدينة يتحدث عنهم ، وعن مواقفهم ، ويحذرهم ، ويتوعدهم بالعذاب الشديد .