الشيخ عبد الشهيد مهدي الستراوي
213
القرآن نهج و حضارة
رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ . « 1 » فالكتاب الكريم جاء لتحريك الإنسان بناء على تلك الفطرة السليمة فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها « 2 » لبناء نفسه ، والانطلاق من خلالها لبناء أمته يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ « 3 » وأراد القرآن بذلك أن يشيد صرح حضارة كبيرة قوية يعتمد عليها ، يكون ركيزتها الإنسان المؤمن صاحب الإرادة الفولاذية الصلبة التي بها يتحدى الأعاصير ، ويقف بصرح حضارته أمام الحضارات الأخرى . يقول ربنا إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ . « 4 » ويذكرنا الكتاب الكريم بالماضي العريق لهذه الأمة ، كي يحفزنا في أن نكون كما كنا أمة قوية ذات رسالة خالدة ، وحضارة لها قيمها الثابتة حينما كانت ملتزمة بها تقود الأمم إلى الطريق السليم ، وتعلم الحضارات الأخرى بما لا تملك من مبادئ وشرائع . فيقول سبحانه وتعالى كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ( حينما التزمتم ) تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ . « 5 » إنسان ومهمتان : مهمتان كلف بها الإنسان في الأرض - الخلافة والعمارة - ، ومسؤولية الخلافة في الأرض مهمة صعبة رفضتها مخلوقات أخرى لثقلها ، وتحملها الإنسان فترتبت عليها عمارة الأرض واستصلاحها دون الفساد فيها ، باعتباره
--> ( 1 ) سورة التين آية ( 4 - 6 ) ( 2 ) سورة الروم آية 30 ( 3 ) سورة التحريم آية 6 ( 4 ) سورة الرعد آية 11 ( 5 ) سورة آل عمران آية 110