الشيخ عبد الشهيد مهدي الستراوي
189
القرآن نهج و حضارة
وعاشت ، وترعرعت مع مجموعة من البدو . فقطع يد السارق ، ورجم الزاني أو جلده وبقية أحكام القصاص ، وحرمة الربا والأحكام المتعلقة بالمرأة والأسرة ، كل هذه القضايا بحسب زعمهم لا تتوافق مع التطور الحاصل ، ولا تتواكب مع الأحكام السياسية والنظريات الاقتصادية الجديدة ، وقالوا أخيرا إن الزمن قد فاق القرآن ، وتجاوزه ، ثم قرروا فصل القرآن عن الحياة ، واعتباره كتابا تراثيا باليا ، كان ربما صالحا يوما من الأيام ! ! ! وتلك المحاولات قد تأثر بها بعض مثقفي الأمة الإسلامية ، وترجموا ذلك في كتاباتهم ، محاولين أن يثبتوا ذلك في وسط الشباب المسلم ليشككوهم في القرآن ولكن باءت كل محاولاتهم وسقطت أقنعتهم الزائفة . وكما أن الفشل كان من نصيب زعماء الجاهلية الأولى ، كذلك كان حليف هؤلاء المتزعمين أو المتأثرين بالجاهلية الثانية وتياراتها الضالة ، لقد واجهوا فشلا ذريعا ، ولم يستطع أحد أن يتخطى الفكر القرآني ، بل تجلّت آيات التحدي القرآنية أكثر وأكثر ، وحيث كان سكون انتكاستهم تعالى صوت الترتيل القرآني في سماء الدنيا ، وفي آفاقها مجلجلا : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً . « 1 » إن هذه الآية الكريمة كانت تفسر سابقا في التحدي البلاغي أمام قوة بلاغة العرب ، وانهماكهم في العربية ، وإبداعاتهم فيها تعمقا وشمولية ، ولكن الواقع أن الكتاب الكريم وكما كان يتحدى تلك الأقوام بما أبدعوا فيه من بلاغة وفصاحة ، فإنه أيضا يتحدى زعماء الكفر المعاصرين ، ومنظري الثقافات
--> ( 1 ) سورة الإسراء آية 88