الشيخ عبد الشهيد مهدي الستراوي
178
القرآن نهج و حضارة
على المسلم أن يبحث في كتاب ربه عن نقاط القوة ونقاط الالتقاء بين أبناء المجتمع الواحد ، ويبحث عن نقاط الضعف والخلل الذي يمزق وحدة الأمة فيقاومه ويتصدى له ، فالشعور بالإحباط والحواجز النفسية ومشاكل الحياة المادية المتوارثة والمصطنعة - كالحدود والإقليم والوطن والقبيلة والدم والعشيرة والعصبية والقوم - كل هذه حواجز دعا القرآن إلى عدم الاهتمام بها ، وعدم جعلها عقبة أمام الالتقاء مع بعضنا البعض . لم يلغها الدين من الأساس حيث لا يمكن ذلك ، ولكن لم يجعلها أيضا مقياسا للتعامل بين الناس ، بل جعل الإيمان هو المقياس لترفع تلك الحواجز ، أو التخفيف من حدتها حتى لا يتحول المجتمع إلى أحزاب وجبهات قومية ووطنية وإقليمية متصارعة ، وجعل نقطة الالتقاء هي توحيد ( اللّه ) والتوجه إليه ، فقال سبحانه وتعالى : إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ . « 1 » فالتوحيد فعلا نقطة التقاء بين البشر مع اختلاف طبائعهم وأمزجتهم ومللهم ، والقرآن رسالة رب العالمين ، انه نقطة التقاء أخرى بين المسلمين قاطبة مع اختلافهم في الجنس واللون واللغة ، فربهم واحد ، ونبيهم واحد ، وكتابهم القرآن واحد ، وقبلتهم واحدة ، وأبيهم واحد ، وأمهم واحدة ، فألغى الإسلام كل الفوارق الإقليمية والقومية والعرقية وساوى بين أبناء الإنسانية « كلكم من آدم ، وآدم من تراب » « 2 » ، وجعل المسلمين الذين ينضوون تحت راية « لا إله إلّا اللّه ، محمد رسول اللّه » ، يتعاونون مع غيرهم من أبناء الديانات الأخرى وفق مجموعة من القوانين والشروط وضعها الإسلام
--> ( 1 ) سورة الأنبياء آية 92 ( 2 ) بحار الأنوار ( ج 70 ) ص 287