الشيخ عبد الشهيد مهدي الستراوي

161

القرآن نهج و حضارة

مجموعة أسرار وخفايا لا يستكشفها الإنسان نفسه ، وان استكشفها العلم الحديث فهو يبقى عاجزا عن معرفة كل الأسرار وجل الخفايا ، فيقول سبحانه وتعالى : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ، ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ . « 1 » وينصبّ التفكير في مبدأ خلق تلك النطفة النتنة التي تكون منها هذا الإنسان ، من قطرة ماء تصرّفت يد القدرة فيها ، فخلقت منه رجلا سويّا ، يبصر ويمشي ويأكل ويتكلم ويسمع ويعقل ويفكّر فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ ، خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ « 2 » ، إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً . « 3 » فالقرآن يحرص على تذكير الإنسان بكيفية خلقه وتقلبه وضعفه ، فيلفته إلى تكونه من تراب أو طين أو من نطفه ، وكل ذلك كي لا يتجاوز الإنسان حدوده التي تكوّن منها ، ويعرف أن مصيره مرهون بهذه الخلقة . فحينما يفكر في بدايته كيف كانت ؟ فيعرف من هو وكيف يجب أن يكون مصيره . فكما يجب عليه أن ينظر إلى تلك البداية ومراحلها ، عليه أن يتمعن جيدا لكي يكون مصيره حسنا عند اللّه ، فقد وهبه اللّه تعالى وسائل التعقل والتبصر ، والتمييز بين الخير والشر ، وذلك جوهر إنسانيته ، وحمّله الأمانة ،

--> ( 1 ) سورة المؤمنون آية ( 12 - 14 ) ( 2 ) سورة الطارق آية ( 5 - 7 ) ( 3 ) سورة الإنسان آية 2