محمد محمد أبو ليلة

97

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

النصوص بما هو غريب عنها ومجلوب إليها ، ويستنطقها بغير لغتها ، ويدفع بها دفعا إلى نتائج جد غريبة ؛ فالقرآن ينقل كلام الملائكة من القرآن كما ينقل كلام الشخصيات الأخرى التي حكى اللّه تعالى كلامهم في القرآن ؛ ولذلك نجد المستشرق مثلا يتخذ من الآيات التي لم تذكر مصدر الوحي - من وجهة نظره هو - دليلا على عدم إلهية تلك الآيات ؛ وبلا شك فإنه إذا اهتزت الثقة في بعض آيات القرآن ، انسحب ذلك على القرآن كله ؛ وهذا هو الغرض الذي يسعى إليه الكاتب بكل وضوح ، مع أن القرآن ، باعتباره وحيا من عند اللّه ، كل لا يتجزأ ، أنزله اللّه تعالى مفرقا هكذا ، ليثبّت به فؤاد النبي صلى اللّه عليه وسلم : وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا ( 106 ) ( الإسراء : 106 ) . وكان يكفى للفهم والتدليل ، لو أنصف الكاتب ، أن يعرف أن اللّه تعالى ، قد ذكر أنه هو مصدر القرآن ومنزله ، وأن محمدا صلى اللّه عليه وسلم كان مجرد قارئ له ؛ وأنه منذ البداية ، كان مبلغا للقرآن فحسب بنص هذه الآية ، وآيات أخرى كثيرة ، على سبيل المثال قوله تعالى : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ ( المائدة : 67 ) ، وقوله تعالى : اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ ( العنكبوت : 45 ) ، وقوله تعالى : وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ( 4 ) ( المزمل : 4 ) ، وقد عرف المسلمون ذلك ، وسلّموا به واعتقدوه وآمنوا بأن كل ما بين دفتي المصحف هو كلام اللّه تعالى ، وأنه ليس من مطلب العقول المنصفة أن يكرر المؤلف لكتاب مثلا ، وللّه المثل الأعلى ، في كل جزء ، وباب ، وفقرة منه ، أنه هو مؤلف هذا الكتاب لا غيره . ناهيك أن للقرآن نسقا فريدا ، وطبيعة خاصة ، وروحا إلهية ملازمة ، تدل على أنه آية آية ، وسورة سورة من عند اللّه تعالى ؛ أضف إلى ذلك أن السورة التي استدل بها الكاتب الغربى على عدم ورود ذكر مصدر القرآن في القرآن ، كلها تتحدث باللغة نفسها وبالطريقة ذاتها عن اللّه تعالى ، وعن موضوعات كثيرة في سور أخرى من القرآن ، ذكر فيها أن اللّه تعالى هو مصدر القرآن . ونتساءل هنا ، هل في سورة الشمس كمثال أي دليل يخرجها عن كونها قرآنا ؟ وهل شكك أحد في ذلك أبدا ؟ ! ! أما عن قول الكاتب بأن القرآن قد أسند الكلام إلى محمد ، أو إلى جبريل ، عليهما السلام ، في بعض الإشارات القرآنية ؛ فهذا ليس معناه أن جبريل أو محمدا هو واضع القرآن ؛ لأن هذا معارض بالدليل الأعلى للقرآن نفسه . فالقرآن كله شاهد على كونه كلام اللّه ، وأنه