محمد محمد أبو ليلة
94
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
منها أنها أقدم نزولا في القرآن ، أي من حيث كونها إشارة إلى شخص معين يتحدث بالقرآن ، أو إلى مصدر واحد ، يمكن أن يرد إليه القرآن كله ! ففي بعض آيات منه ، كآيات " سورة الشمس " و " سورة القارعة " على سبيل المثال لا نجد أي إشارة تفيد بأن هذا الكلام صادر عن إله ؛ وفي مواضع أخرى من القرآن مثل " سورة التكوير " ( 15 : 21 ) و " الانشقاق " ( 16 : 19 ) و " سورة الليل " ( 14 : 21 ) ، يلوح أن محمدا هو الذي يتحدث بالقرآن . وفي أوائل الآيات المنزلة ، والتي ذكر فيها رب محمد ، لم يصرح بلفظ الجلالة نصا ، وإنما أشير إليه بضمير الغائب ، عادة بصيغة " ربي " و " ربكم " ، فعلى سبيل المثال : فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ( 23 ) ( الذاريات : 23 ) ، إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ( 7 ) ( الطور : 7 ) ، يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ( 1 ) قُمْ فَأَنْذِرْ ( 2 ) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ( 3 ) ( المدثر : 1 : 3 ) . يستمر الكاتب في عرضه للآيات وتعليقه عليها فيقول إن في القرآن أيضا آيات مكية نزلت مبكرة ، تفيد أن محمدا كان يتلقى الوحي من اللّه مباشرة ، ودون واسطة ؛ واستشهد على ذلك بقوله تعالى : يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ( 1 ) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ( 2 ) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ( 3 ) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ( 4 ) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ( 5 ) ( المزمل : 1 : 5 ) ، سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى ( 6 ) إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ ( الأعلى : 6 - 7 ) . وهناك أيضا آيات مكية متأخرة في النزول ، وآيات نزلت في أول العهد المدني ، تحكى أن اللّه يقرأ ( الآيات ، والقرآن ، والكتاب ) ، على سبيل المثال قوله تعالى : تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 252 ) ( البقرة : 252 ) وقوله تعالى : تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ ( 108 ) ( آل عمران : 108 ) . وقوله تعالى : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ( 1 ) ( القدر : 1 ) ، وفي تلك الفترة نفسها نطالع في القرآن سلسلة من الآيات الأخرى التي لها من السلطان ، ما جعلها تضع اللّه في مقام يسمو فيه بنفسه ، عن رتبة الوحي المباشر إلى الأنبياء ؛ بل إنه يرسل إليهم وحيه بواسطة الملائكة . هذا المعنى قد تأسس في نظر المستشرق من طريقين : الأول : كون الرسالة تبلغ عن طريق وسطاء ( Intermediaries ) . والثاني : كون الرسالة متصلة بطريقة ما بالكتاب .