محمد محمد أبو ليلة
93
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
الفصل الأول القرآن بين الوحي والتجربة البشرية هذا موضوع مهم من موضوعات البحث والعقيدة معا . يقول المعارض : " إن كتاب المسلمين المقدس ، والخبرة النبوية لمحمد صلى اللّه عليه وسلم جد متصلين ، إلى درجة أنه لا يمكن فهم أحدهما فهما كاملا دون فهم الآخر ؛ إن العقيدة السّنّية أو الأصولية تقطع بأن اللّه هو المتحدث بالقرآن كله ، وأن محمدا صلى اللّه عليه وسلم هو المستقبل له ، وجبريل هو الواسطة بين اللّه ومحمد في نقل الوحي ؛ وذلك بغض النظر عن من يكون هو هذا الشخص الذي يجرى الكلام على لسانه ، أو الذي يتوجه الخطاب إليه في القرآن " . هذا الكلام على صغر حجمه يحتوى على مغمزين خطيرين أو بلغة أكثر تحفظا ، على إيهام وتشبيه : أولا : لأن عبارة الكاتب " العقيدة السنية تجاه القرآن " توحى بأن هناك مذاهب أخرى ، تعتقد في القرآن غير هذا المعنى ، كما هو الحال بالنسبة للعقيدة المسيحية تجاه المسيح ؛ حيث اتسعت خلافاتهم ، واحتدمت حول مفهوم طبيعة عيسى عليه السلام ، إلى درجة يستحيل معها التلاقى والاتفاق . إن المسلمين ، على العكس ، يجمعون على أن القرآن هو كلام اللّه رب العالمين ، نزل به الروح الأمين ، على قلب خير المرسلين ؛ وأنه هو هو ، الذي أنزله اللّه ، لا زيادة فيه ولا نقصان يعتريه ، ولن يصيبه تبديل أو تحريف إلى يوم القيامة . أما المغمز الثاني في كلام المستشرق ويلش ، فهو قوله بأن " القرآن والتجربة النبوية لمحمد جد متصلتين " ؛ وأنه لا يمكن الفصل بينهما ؛ هذا كلام صائب في جملته وظاهره ، ولكن لا بدّ أن نكون حذرين في تناوله ؛ وذلك لأن محصلة العقيدة الاستشراقية ، في النهاية ، تجزم بأن القرآن من كلام محمد ؛ وأنه ، أي القرآن ، إنما يمثل ثمرة معاناة محمد النفسية ، ويعكس الصراع والتطور النفسي له . وهذه الدعاوى وأمثالها قد رد عليها القرآن نفسه ، وفندها بعض علماء المسلمين ، وبينوا تهافتها ، مما يغنينا عن استعراضها هنا . يقول الكاتب إن نظرة تحليلية في القرآن ، تفيد أن الموقف أعقد كثيرا مما يتصور المسلمون الذين يحاولون تبسيط المسألة ؛ إننا لا نصادف في الآيات أو الأجزاء التي يبدو