محمد محمد أبو ليلة
82
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
وهذا التوجيه هو الصحيح لأنه مؤيد بالحديث ، الذي رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما ، ومالك في الموطأ ، عن أبي سعيد بن المعلى ، وفيه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، قال لأبي بن كعب : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ متى أكملت فاتحة الكتاب ؟ ، فقال : ( هي ، وهي السبع المثاني ، والقرآن العظيم الذي أوتيت ) . قال في فتح القدير أخرج البخاري من حديث أبي هريرة بلفظ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : " أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم " ؛ وأخرج الترمذي من حديث أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : " الحمد للّه أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني " « 1 » . قيل في تعليل تسمية " الفاتحة " ب " المثاني " ، إنها سميت كذلك ، لكونها تثنّى في كل ركعة ، يقرؤها الإمام والمأموم في صلاة الجماعة ، كما أنها تثنى في كل صلاة ، أي تقرأ مثنى باعتبار الركعتين ، اللتين يفصل بينهما التشهد ، وهي كذلك بالنسبة لصلاة الفجر ؛ أما في صلاة المغرب ، فإنها تثنى في الركعتين الأوليتين ، ثم تقرأ مفردة في الركعة الأخيرة . وقيل سميت كذلك ، لأنه يثنى بها على اللّه تعالى ؛ ولكن ابن عطية يستعبد ذلك من جهة التصريف ، غير أن ابن حيان ، والصواب في جانبه ، يستدرك على ابن عطية ، ويقول إن " مثاني " جمع " مثنى " بضم الميم على " مفعل " من الفعل الرباعي " أثنى " أي مقر بالثناء على اللّه تعالى ؛ وعلى هذا فسورة " الفاتحة " هي سورة الثناء على اللّه ؛ والحقيقة أنها كذلك . وسورة " الفاتحة " اختصار معجز للقرآن كله ، وهي على قصرها ، تتضمن من المعاني ما تعجز عن تسطيره الأقلام ، وتنفد معه الأحبار والأوراق ؛ وهي أم القرآن ، وقد يسر اللّه حفظها على الناس ، فحفظها الطفل ، والمرأة ، والكبير والصغير ، والأمى والمتعلم ، والعربي وغير العربي ؛ ومن معاني " مثاني " أيضا ، أن أحكام القرآن تتكرر فيه غير مرة بأساليب متنوعة ، ومعان متضاعفة ، حتى أن من يقرأ شيئا منها في موضع ، كفاه . وتتضمن كلمة " مثاني " كذلك معنى لطيفا هو أن القرآن تثنى قراءته وتضاعف ، لأن قراءته أول مرة ، تحببه إلى النفس ، وترغب إليها معاودته ، وقارئ القرآن لا يملّه ، ولا يتعجل الفراغ منه ؛ وهذه في حد ذاتها من معجزات القرآن ؛ فالقرآن " مثاني " بهذا المعنى .
--> ( 1 ) انظر أيضا - ابن عطية - المحرر الوجيز - ج 1 ص 96 - 97 .