محمد محمد أبو ليلة
75
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
قد استعملت في جميع المواضع ، التي أشار إليها المستشرق ، للتعبير عن " القرآن " ، إلا في موضع واحد ( الأنعام : 156 ) « 1 » ؛ فإنه أي الكتاب بمعنى " كتاب موسى أو عيسى عليهما السلام " ؛ مع أنه في الآية السابقة عليها قد ورد لفظ " كتاب " إشارة إلى " القرآن " وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 155 ) ( الأنعام : 155 ) . أما عن لفظة " سورة " ، التي يقرر المستشرق أنها تأتى أحيانا ، بمعنى " الكتاب المقدس " ؛ فقد سبق أن ناقشناه فيها ، وبيّنّا المعنى الصحيح للّفظة ، كما في سورة النور التي استشهد بها ، ولا داعى للتكرار . ثالثا - في بعض المواضع ، تستعمل لفظتي " السورة " و " الكتاب " في القرآن ، بمعنى الوحي بصفة عامة ، وأحيانا قد تشير إلى جزء ، أو أجزاء مخصوصة منه ، كما في قوله تعالى : وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً ( 82 ) ( الإسراء : 82 ) ، وقد تناولناها بالمناقشة فيما سبق ، ولا داعى لذكرها هنا . وفي قول اللّه تعالى : وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ( فاطر : 31 ) ، هذه الآية تعنى أن الذي أنزله اللّه على محمد ، هو من باب الخاص والعام ، أي أن الذي نزل من القرآن ، هو من ضمن الكتاب الأم ، الذي يضم القرآن كله ، والذي هو عند اللّه . رابعا - وعلى أية حال ، فإنه من المعتاد وجود تمييز بين هذه الألفاظ ؛ فلفظ " كتاب " يراد به " كتاب اللّه " ، عندما يشار به إلى الوحي بصفة عامة ؛ هذا بينما يطلق لفظ " قرآن " على الوحي ، والكلام الذي أنزله اللّه على محمد خاصة ، على سبيل المثال قوله تعالى : وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 37 ) ( يونس : 37 ) ، المعنى " وما كان لأحد أن يفترى أو يزوّر مثل هذا القرآن ، لأنه كلام اللّه ؛ وهو وحده القادر على إنشاء نظمه ، وإبداع معانيه ، وإحكام تأثيره على النفوس " ؛ وبالتالي فأصل دعوى الإتيان بمثل هذا القرآن ، باطلة من الأساس . ولو أمكن لمحمد كبشر أن يؤلف القرآن ، لأمكن لغيره ممن هو في طبقته من أهل الصنعة ، أن يأتي بمثله . وقد مرّ بنا أن اللّه تعالى تحدى البشر أن يأتوا بمثله فعجزوا ، ومحمد صلى اللّه عليه وسلم من عموم البشر ،
--> ( 1 ) أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ