محمد محمد أبو ليلة
7
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
مقدّمة الحمد للّه الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما ؛ وجعله نورا هاديا ، وروحا ساريا ، ومعجزة باقية ، وحجة ملزمة ، كما جعله عصمة ونجاة لمن تمسك به وعمل بمحكمه ، وآمن بمتشابهه ، وتخلق بأخلاقه ، والصلاة والسلام على من كان خلقه القرآن ، محمد بن عبد اللّه الذي أرسله اللّه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى باللّه وكيلا ، البشير النذير ، والسراج المنير ، والمثل الكامل ، والداعي الصادق إلى اللّه تعالى ، الذي حقق بالقرآن في المدة القصيرة ما لم يحققه بشر في الأحقاب الطوال ، بل على مدار التاريخ الإنساني كله . القرآن الكريم هو كلام اللّه القديم المعجز المنزّل من لدنه تعالى ، على قلب رسوله محمد صلى اللّه عليه وسلم بلسان عربى مبين ، المنقول عنه بالتواتر ، والمكتوب في المصاحف ، والمتعبد بتلاوته ، المأمور بقراءته وتدبره والعمل به وبتحكيمه في الأمور كلها ؛ والقرآن الكريم هو معجزة الرسول صلى اللّه عليه وسلم الباقية على مرّ العصور ، وهو قاعدة الإسلام ومصدر التشريع ، والأخلاق والسلوك عند المسلمين ؛ وهو الأصل الذي ترجع إليه ، وتقاس عليه جميع المعاملات الإسلامية ، وهذا الكتاب هو أساس حضارة المسلمين وأصل علومهم ومعارفهم ، وهو كتاب شامل لكل ما ينفع الناس في الأرض ويضمن لهم السعادة في الدارين . القرآن هو دستور الخالق لإصلاح الخلق منذ نزل وإلى أن تقوم الساعة ، لا كتاب بعده ، ختم اللّه به الكتب ، وأكمل به الدين ، وأتم به النعمة على المسلمين ؛ وهو يمثل قاعدة اللغة العربية وسنامها وتاجها وصولجانها ، وهو خير داع إليها ودال عليها ، وهو كامل في لغته وفي علومه وفي آثاره النفسية والعقلية ؛ وعلى أساسه تحددت معالم الشخصية المسلمة والهوية الإيمانية للمجتمع المسلم ، وتميزت الحضارة الإسلامية عن غيرها من الحضارات . لم ينزل القرآن الكريم على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جملة واحدة في وقت واحد ولا في مكان واحد ، وإنما نزل مفرقا في مدد زمنية مختلفة ؛ وانطلاقا من القرآن الكريم نفسه فقد استقر علماء القرآن والمفسرون على أن للقرآن الكريم تنزلات ثلاثة : الأول : صدوره عن اللّه في اللوح المحفوظ . الثاني : نزوله من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا - وقد نزل القرآن في كلا التّنزّلين جملة واحدة .