محمد محمد أبو ليلة
68
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
نزّل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قبل إظهار الرسول لها . إذ كان ما تقدم مما أملاه الرسول يدل عليها ، ويقتضى وقوعها بقوة قدرة الكاتب على الكلام ، ومعرفته به ، وجودة حسه وفطنته ، كما يتفق ذلك للعارف إذا سمع البيت من الشعر أن يسبق إلى قافيته أو مبتدأ الكلام الحسن إلى ما يتم به ، ولا يتفق ذلك في جملة الكلام ، كما لا يتفق ذلك في آية ولا سورة " . ويمكن أن يفهم هذا الاتفاق ، لو صح وقوعه أصلا ، على أنه مما جاءت به القراءات المختلفة للقرآن الكريم ، والتي تأخذ حكم القرآن من حيث كونها وحيا « 1 » . ونمضى في استعراض الآيات التي أشار إليها ويلش في مناقشته للفظ " كتاب " ، يقول تعالى : بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ( 21 ) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ( 22 ) ( البروج : 21 - 22 ) اللوح المحفوظ هو الكتاب المكنون ، المذكور في الآية الأخرى ، أشار هنا إلى المادة التي كتب عليها القرآن ، وهي " اللوح " ، وجمعها " ألواح " ، و " الكتاب " مصدر " كتب يكتب كتابة " وأصل " الكتابة " الجمع سميت كذلك ، لجمعها الحروف ؛ فاشتق " الكتاب " منه ، لأنه يجمع أصنافا من القصص ، والآيات ، والأحكام ، والمواعظ ، والأمثال ، والأخبار ، والعلوم ، والمعارف ؛ ويسمى المكتوب " كتابا " على سبيل المجاز ، كما في قوله : فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ ( 78 ) ( الواقعة : 78 ) ، و " الكتاب " إذن بمعنى " المكتوب " سواء كتب على ورق ، أم أباطى ، أم لخاف ، أم على لوح ، أم حجر ؛ وقد عبر اللّه تعالى عن الكلام المكتوب الذي أنزله على الأنبياء ، مرة بالمفرد " كتابا " ، ومرة بالجمع " كتبا " ، ومرة ب " الصحف " ومرة ب " اللوح " أو " الألواح " . يقول تعالى : وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ ( الأعراف : 145 ) والمكتوب له هو موسى عليه السلام ؛ هذا مع أنه تعالى يسمى الوحي الذي أنزل على موسى أيضا ب " الكتاب " ، و " التوراة " ، و " الفرقان " ؛ و " اللوح " مادة كالورقة ، لا يسمى " كتابا " إلا إذا كتب عليه بالفعل ؛ وقد استعمل " القرآن " هذا الاسم ، بالمعنى الأصلي له ، في قوله تعالى : وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ ( 13 ) تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ ( 14 ) ( القمر : 13 - 14 ) والمحمول هو نوح عليه السلام ، والدسر المسامير ، والجري للسفينة . تنطوى تحت هذه الطائفة من الآيات آية الزخرف أيضا : وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا
--> ( 1 ) المصدر السابق 308 - 309 .