محمد محمد أبو ليلة

66

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

ولا يستطيع أن يحميه ؟ أىّ عاجز هذا ؟ ثم لما ذا اختص هذا النبي المزعوم محمدا دون بقية العرب ، وأعيانهم ، ووجوههم ؟ هل يعتقد عاقل أن دينا كالإسلام ، يقوم على الخطف ، والاغتصاب ، والقتل ؛ وهو الدين الذي يحرّم كل ذلك ويضع لمرتكبيه أفظع الحدود وأقساها ؛ ناهيك بأن هذه الغارة المتخيلة ، تتنافى مع أخلاق محمد صلى اللّه عليه وسلم وشخصيته . ولكن يبدو أن أعداء الإسلام ، يهون عليهم ترك عقولهم عندما يتعاملون مع هذا الدين القويم . يعرض علينا ابن كمونة - اليهودي الذي أسلم وحسن إسلامه - عجيبة أخرى من ترّهات القوم ، إذ ينقل عن بعضهم قوله : إنه من المحتمل " أن محمدا طالع في كتب من تقدمه ، أو سمعها ، فانتخب أجودها ، وضم البعض إلى البعض ؛ أو أنه كان يترصد كلمات الناس ، ويستقرئها ؛ فما وجده من كلمة رائقة ، أو نكتة فائقة ، نقّحه ، وجمعه ، ورتبه قرآنا " ؛ واستشهد صاحب هذا الزعم ، بما جرى من عبد اللّه بن أبي سرح « 1 » ، أحد كتّاب الوحي ، عندما كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يملى عليه آيات من سورة ( المؤمنون : 11 : 14 ) ، والتي يتحدث اللّه فيها عن مراحل خلق الإنسان ، حتى إذا ما انتهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى قوله تعالى : فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ لهج ابن سرح على الفور بهذه العبارة " فتبارك اللّه أحسن الخلقين " فقال صلى اللّه عليه وسلم : " اكتب فهكذا أنزلت " ؛ فارتد الرجل وجمع به هواه ، فظن أنه يوحى إليه كمحمد صلى اللّه عليه وسلم « 2 » . هذا الخبر صحيح لا شك فيه ؛ ولكن أصح منه ، أن القرآن يتلاقى مع الفطرة ، وبخاصة عندما يتكلم القرآن عن اللّه تعالى ، وعن عمله في الخلق والإبداع ؛ وأصح منه كذلك ، أن ابن أبي سرح لو كان يستطيع آنذاك ، أن يتلقى وحيا أو يكتب كلاما مثل كلام اللّه تعالى ؛ فلما ذا لم يستمر في تلقى الوحي ، وكتابة ما يوحى إليه ؟ لما ذا وقف عند هذه الجملة ولم يتعداها ؛ وكان المجال أمامه أفسح من الصحراء التي يعيش فيها ؟ لما ذا انقطع خبره عند هذه الدعوى ؟ ولم يعرف عنه أحد إلا هذه الجملة وهذه الحكاية ، التي أثبتتها كتب الحديث ؟ والتي

--> ( 1 ) عبد اللّه بن أبي سرح بن سعد بن الحارث العامري القرشي ، أسلم وهاجر ، وكانت له صحبة ، وكتب للنبي صلى اللّه عليه وسلم ؛ ثم ارتد وأسلم بعد ذلك وحسن إسلامه ، وولّى في خلافة عثمان ، وبعد مقتله رضى اللّه عنه ، اعتزل الناس والتزم العبادة ، ودعا اللّه أن يتوفاه بعد الصلاة ، فمات بعد تسليمه من صلاة الصبح . ذكره السهيلي . ( 2 ) انظر تنقيح الأبحاث في الملل الثلاث . ص 70 - 72 .