محمد محمد أبو ليلة
56
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
والمعجزة ، وبين الرسول وعمل الساحر ؛ ويقول عز وجل : سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ ( 146 ) ( الأعراف : 146 ) ، ويقول تبارك وتعالى : وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْ لا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ( 118 ) ( البقرة : 118 ) ، هذه الآية تفصح عن امتداد الخط الكفرى ، وتشابه دعاوى الكافرين في كل عصر وفي كل مصر ، وأيضا عن منهج اللّه تعالى في تربية كل جيل بما يناسبه ، وإلزام كل صنف من البشر بما يقطع حجته ويزيل عذره . ونتساءل بعد هذا كله ، هل تغنى المعجزات عن سفه أهل العمة والعمى ، والختم ، والطمس ، والصمم ، والرّان ؟ إن أكثر الناس مشاهدة للمعجزات كانوا هم أكثرهم جحودا وغباوة ، وهم الذين قالوا من قبل : أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً ( النساء : 153 ) ، وهم الذين علقوا إيمانهم على رؤية اللّه تعالى : وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ( البقرة : 55 ) ولنتأمل هذا الربط بين سؤال أهل الكتاب من العرب لمحمد صلى اللّه عليه وسلم وسؤال اليهود لموسى نبيهم عليه السلام : يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً ( 153 ) ( النساء : 153 ) ؛ ويقول تعالى : وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ( 111 ) ( الأنعام : 111 ) . إن المعجزات لا تأتى إلا بإذن اللّه ولا يتأتى الإيمان بالنبي إلا بمشيئة اللّه تعالى كذلك : وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ ( 38 ) ( الرعد : 38 ) ، المعجزة أو الآية مصدرها اللّه تعالى ودليلها للنبي صلى اللّه عليه وسلم ؛ وفي هذه القرينة ، نشير إلى أنه قد جاء في الأناجيل ما يفيد امتناع المسيح عليه السلام البتّة من صنع المعجزة ، أو إظهارها عند وقوعها في بعض الحالات ؛ فعلى سبيل المثال نجد في إنجيل مرقس ( 6 : 5 ) ( ولم يقدر ( أي المسيح عليه السلام ) أن يصنع هناك ولا قوة واحدة وتعجب من عدم إيمانهم ) ، وفيه أيضا