محمد محمد أبو ليلة
53
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( 90 ) أخبره اللّه تعالى أنه سينجّيه ببدنه فقط ، ليكون بدنه آية مستمرة ، يراها الناس للاتعاظ والاعتبار . و " الآية " تطلق أيضا ويراد بها الشيء التام في صنعه ، وتركيبه ، ومناسبته للغرض الذي خلق من أجله ، وقيامه بهذا الغرض على أكمل وجه ، وأتم غاية . وكما لاحظ ويلش فإن الأغلب الأعم من هذه الآيات التي أشرنا إليها وحددنا مواضعها ، تتحدث عن الآيات الكونية ، التي نصبها اللّه تعالى دلائل على وجوده سبحانه وتعالى ، وعلى قدرته ، وتدبيره ، وعنايته ، وحكمته ، ونفاذ أمره ، ومضاء مشيئته . في هذه الآيات القرآنية دعا اللّه تعالى الناس إلى النظر في الآيات الكونية ، والتفكر في عجائبها ، للتوصل بحاكم العقل والفكر إلى اللّه الذي جاءت عنه الكتب ، ودلت عليه الأنبياء ، ودعت إلى الإيمان به ، والقيام بشرعه ، وحذرت من عصيان أوامره ومخالفة منهجه ، فإن من زل عن منهج اللّه ضل واختل ؛ ومن رحمة اللّه تعالى أن جعل الوحي والعقل ظهرين متصادقين متعاونين ، لا ضدين متعارضين متنازعين . ونلاحظ كذلك أن كثيرا من هذه الآيات تواترت وتضافرت على تثبيت نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وتأييد دعواه ، وربط رسالته ومعجزاته برسالات الأنبياء السابقين ومعجزاتهم . يزعم ويلش ، إلى جانب ذلك ، أن الآيات التي تتحدث عن المعجزات والخوارق ، قد تغيّر معناها في أواخر العهد المكي ، بل ربما حدث ذلك في مطلع العهد المدني ، فأصبح لفظ " آية " من ثمّ يعنى " طائفة من القرآن " بعد أن كان يعنى " المعجزة " قبل ذلك ؛ ومن وجهة نظر هذا المستشرق ، فإن لفظ " آية " بمعناه الجديد إنما حدث ( يعنى من جانب محمد ) ، كردّ فعل معاكس لمطالب المشركين المتزايدة والمتكررة للنبي صلى اللّه عليه وسلم بأن يأتي لهم بمعجزات وخوارق تؤيد دعواه . يقول ويلش إنه منذ هذه اللحظة تحول معنى لفظ " آية " ، فصار يطلق على " الجزء المعروف من القرآن " بعد أن كان يطلق على المعجزة والخارق فقط ؛ هذا ضرب من الاعتساف ، والإرجاف ، والخيال ، والخبال ، وهو زعم ليس عليه دليل ، لا من داخل النص القرآني ، ولا من خارجه ، لا بطريقة مباشرة ، ولا بطريقة غير مباشرة ؛ إن ويلش ينسج هنا على منوال التنصير ، ضاربا بالمنهج العلمي عرض الحائط . إنه يطعن في معجزات محمد صلى اللّه عليه وسلم