محمد محمد أبو ليلة
44
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
غيرهم عما في الكتب من تصديق محمد صلى اللّه عليه وسلم « 1 » ، وهذا التوجيه الأخير فيه تكلف وبعد عن مرامى الخطاب في الآية الكريمة " . ويرى ابن عطية أن الصواب في المسألة أن يقال إن الآية تخاطب النبي صلى اللّه عليه وسلم مباشرة . وتتوجه بالخطاب من خلاله ، إلى كل من يشك أو يعارض ، وهو توجيه حسن ؛ وله شواهد تظاهره . وقال قوم آخرون هو على منوال قولك " إن كنت ابني فبرّنى " وأنت لا تشك أنه ابنك ، وإنما تستحثه على البرّ بك . وعلق أبو حيان على الآية بقوله إنّ " إن الشرطية " تقتضى تعليق شيء على شيء ، ولا تستلزم تحقق وقوعه ولا إمكانه ، بل قد يكون ذلك من باب المستحيل عقليا كقوله تعالى : قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ ( 81 ) ( الزخرف : 81 ) ؛ ومستحيل أن يكون للّه ولد ، وكذلك فإنه من المستحيل أن يشك محمد فيما أوحى إليه ، ويقدم ابن عطية على ذلك مثلا آخر من قوله تعالى : وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ( المائدة : 116 ) ، واللّه يعلم أن عيسى لم يقل ذلك ، وهو برئ منه . ولذلك روى أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : لما نزلت عليه هذه الآية " أنا لا أشك ولا أسأل " « 2 » . ويمكن أن يكون الشك المشار إليه في الآية ، وتوجيه الرسول صلى اللّه عليه وسلم لسؤال أهل الكتاب ، خاصا بمسائل معينة ، أو حوادث مشتركة بين القرآن وبين الكتب السابقة ؛ كأن يكون النبي صلى اللّه عليه وسلم قد استكثر ما فعله اليهود بأنبيائهم ، أو أخفوه هم والنصارى من كتبهم ، أو اختلفوا فيه فيما بينهم ، فأراد اللّه تعالى أن يثبّت قلب نبيه صلى اللّه عليه وسلم بهذه الآية ، التي أمر فيها أن يسألهم عن هذه الأمور الخاصة ، ليرى من واقعهم ، صدق ما قاله اللّه له في القرآن ، ولذلك جاء بعده : " لقد جاءك الحق من ربك " ؛ ولم يرد أن النبي صلى اللّه عليه وسلم سأل أحدا من أهل الكتاب مما يدل على عدم وجود الشك في نفسه ، أو وقوعه منه بالفعل . ومهما يكن الأمر ، فإن في هذه الآية مدلولا علميا وتربويا عظيم الأثر ؛ فإنها تأمر بإزاحة الشك ، والوصول إلى اليقين بالسؤال والاستفسار ، أو تأكيد اليقين بسؤال أهل العلم
--> ( 1 ) تنزيه القرآن عن المطاعن ، ص 179 . ( 2 ) أخرجه عبد الرازق وابن جرير ، وروى من طرق أخرى باختلاف يسير في العبارة . المحرر الوجيز . ج 7 ص 219 .