محمد محمد أبو ليلة
43
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
السماء على سلّم أمام أعينهم فيحضر لكل واحد منهم كتابا باسمه ، يقول اللّه له فيه بخاصة آمن بمحمد واتبعه . هذا هو المعنى المقصود في الآية ، وليس ما زعمه ويلش من أنهم طلبوا من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كتابا مقدسا كالتوراة والإنجيل ، فالعرب لم يعرفوا تفصيلا كيف أعطى اللّه موسى التوراة ، وعيسى الإنجيل ، حتى يطالبوا محمدا بإحضار كتاب على هذا النحو ؛ وثانيا : فإنه ليس من المعهود في الوحي ، أن يصعد النبي إلى السماء على سلّم ، لكي يتلقى الكتاب بيمينه من اللّه تعالى . إنّ شأن المكابر أنه يحاول أن يخرج الرسالة عن طبيعتها ، ويحول بين النبي وبين الناس . ولكي يقوّى المستشرق ويلش زعمه في تحديد طبيعة الكتاب الذي طلبه المشركون من محمد صلى اللّه عليه وسلم أشار إلى قوله تعالى : فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ ( يونس : 94 ) ، يريد بذلك أن يقول إن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، والعرب كذلك كانوا يعرفون كتب اليهود والنصارى ، الذين هم أهل الكتاب ؛ وهو أمر بعيد التصور والاحتمال . ولكي تتضح المسألة أكثر ، نتكلم في معنى هذه الآية هنا باختصار ، إذ كثيرا ما يرفعها الكتابيّون القدماء ، والمحدثون منهم دائما في وجه المسلمين لمدافعة اعتقادهم في تحريف اليهود والنصارى لكتبهم . ونعرض الآن ما يقوله علماء المسلمين فيها : قال بعضهم : لا يجوز الشك على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم البتّة . وفسر الحسن " إن " بمعنى " ما " النافية ؛ وبالتالي تكون الآية ، في نفى الشك ، لا في إثباته ، ونرى أن هذا التوجيه بعيد ، ولا يستغرق بحال ، ما في الآية ، من الأمر بسؤال أهل الكتاب ، وحثه صلى اللّه عليه وسلم ألا يكون من الممترين ، أي الشاكين « 1 » . ويقدم القاضي عبد الجبار ( ت : 415 ه - 1024 م ) رأيا آخر في المسألة فيقول : " المراد بعبارة " فإن كنت في شكّ " أي من شكّ بالفعل في ذلك ، أي في صحة القرآن على وجه الزجر ؛ أو أنه تعالى قال ذلك لأهل الكتاب ، الذين يجوز أن يسألهم
--> ( 1 ) ابن عطية - المحرر الوجيز . ج 7 ص 217 - 219 ، وأيضا . ابن تيمية - الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح - ج 1 ص 341 وما بعدها . السعودية ، مطابع المجد .