محمد محمد أبو ليلة
38
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 13 ) ( هود : 13 ) ، تحدّاهم اللّه بالإتيان بمثل سورة منه ؛ أو عشر سور ؛ أو بالإتيان بمثله كله ، إن أمكنهم ذلك ؛ مراعيا قدراتهم المتنوعة ، ومتوسعا معهم في الخطاب ، دفعا للمعاذير ، واضطرارا لهم إلى التسليم بصحة التنزيل ، وذلك أن المفترى أسهل ، ووضع الباطل والمختلق على الاختيار أقرب ؛ واللفظ إذا تبع المعنى الصحيح كان أصعب ؛ ولهذا قيل : فلان يكتب كما يقال ، وفلان يكتب كما يريد ؛ وللأول فضل على الثاني ، وبينهما شأو بعيد . لم يستجب أحد من أعداء الرسول صلى اللّه عليه وسلم وأعداء القرآن قاعدة رسالته ، للتحدي ، ولو بمجرد المحاولة والشروع في معاناة القول ؛ لقد اكتفوا بالتشنيع والتنقيص كقول اللّه حكاية عنهم : إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ( الفرقان : 4 ) ، وقولهم : أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ( 5 ) ( الفرقان : 5 ) ، وقولهم : سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ( 2 ) ( القمر : 2 ) ، وقولهم : إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ( 24 ) إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ ( 25 ) ( المدثر : 24 - 25 ) ، وهم في هذا لم يخرجوا عن دائرة المعاندين من كفار العرب ، ومن أقوام الأنبياء السابقين الذين قالوا لأنبيائهم : قُلُوبُنا غُلْفٌ ( البقرة : 88 ) ، وقالوا : قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ ( فصلت : 5 ) ، وقولهم : لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ( 26 ) ( فصلت : 26 ) ، وكما فعل قوم نوح مع نوح عليه السلام : جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً ( 7 ) ( نوح : 7 ) . وأما عن موقف الكفار من طريقة نزول القرآن واعتراضهم عليها ، فيقول تعالى : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا ( 32 ) وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً ( 33 ) ( الفرقان : 32 - 33 ) ففي هذا دليل على أن كفار قريش كانوا يعرفون القرآن باسمه هذا منذ البداية ، وأنهم قالوا لو كان القرآن حقا من عند اللّه لنزل على محمد جملة واحدة ، كالكتب السابقة التي سمعوا عنها ، قال بهذا ابن عباس . ويمكن لنا أيضا أن نقول إنهم أرادوا بطلبهم هذا ، مجرد العناد والمكابرة والتشويش