محمد محمد أبو ليلة
37
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
( الزخرف : 81 ) ، ليس فيه جواز الشريك والوالد للّه تعالى ؛ وإنما فيه ردّ على المجوّزين لذلك ، الذين جاوزوا الحق ، فقالوا اتّخذ اللّه ولدا ؛ ولو كان للّه شريك ، لجاءت به الرسل ، وأبلغت عنه الأنبياء ، ونطقت به الكتب ، ولذكر اللّه ذلك صراحة في القرآن ، لأنه يكون إذن من أخص المسائل الاعتقادية ، ولكن الأنبياء قد دعوا جميعا إلى الإله الواحد المنزّه عن الشريك والولد ، وإلى إفراده عزّ وجلّ وحده بالعبادة والحكم والسلطان . وبعبارات أخرى لو كان هناك إله آخر غير اللّه لأعلن عن نفسه ، ولجاءتنا عنه الرسل والكتب ، ولوجدنا في الكون من ينازع اللّه تبارك وتعالى ، كما يقول عز وجل وهو مما يدور في السياق نفسه : قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا ( 42 ) سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً ( 43 ) ( الإسراء : 42 - 43 ) . أكد اللّه تعالى أن القرآن هو كلامه ، وأن محمدا ليس إلا مبلّغا عنه ، ولا يتأتّى له صلى اللّه عليه وسلم ، ولا لأي بشر أن يأتي بمثل هذا القرآن ، ولو لم ينزل اللّه تعالى هذا الكتاب العزيز على محمد صلى اللّه عليه وسلم ما كان للعرب أن يسمعوه ، فقد كان الرسول يعيش بينهم أربعين سنة ، هي سن الشبوبية ، وثورة العقل ، وقوة التطلع والطموح إلى الزعامة ؛ لكن محمدا صلى اللّه عليه وسلم لم يدّع شيئا من ذلك ، ولا عرف به البتّة ، فلم يكتب شعرا حتى يدوّن اسمه في مصاف الشعراء الذين تبوءوا قمة الزعامة والنباهة في أقوامهم . ولم تعرف لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كذلك خطبة ، أو حكاية ، أو أقصوصة ، أو نحو ذلك مما يمكن أن يتخذ دليلا على أنه قد بلغ بالقرآن إلى قمة تطوره الأدبي وإلى تمام نضجه الإبداعي شأنه في ذلك شأن سائر الأدباء والشعراء . إن اللّه تعالى يؤكد أيضا استحالة الإتيان بمثل القرآن من طريق البشر ، في مثل هذه الآيات إذ يقول تعالى : وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 37 ) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 38 ) ( يونس : 37 - 38 ) ، ويقول : ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 111 ) ( يوسف : 111 ) ؛ أي أن القرآن ليس حديثا أو كلاما مما هو في مقدور البشر ؛ ويقول كذلك : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ