محمد محمد أبو ليلة

32

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

قال الزجاج : " إن ترك الهمزة في القرآن ليس أصلا وإنما هو للتخفيف ، نقلت حركة الهمزة إلى الحرف الساكن قبلها " . « 1 » وذهب بعض العلماء ومنهم الإمام الأشعري إلى أن " القرآن " مشتق من " قرنت الشيء بالشيء إذا ضممته إليه " ، سمى بذلك لقران السور والآيات والحروف فيه ، وبهذا المعنى سمى الجمع بين الحج والعمرة " قرانا " ، والتفريق بينهما " إفرادا " ، وهذا القول فيه تكلف ومجافاة لمفردات اللغة ومراميها . ونشك في صحة إسناد مثل هذا القول إلى الإمام الأشعري ، وبينما يوافق القرطبىّ الإمام الشافعي في أن القرآن غير مهموز ، وهو الرأي الذي ضعفناه ، يقدم القرطبي تفسيرا آخر للّفظ ، فيقول : " إنه مأخوذ من القرائن ، وذلك لأن آياته يصدق بعضها بعضا ويدل بعضها على بعض " « 2 » . هذا وصف صائب لطبيعة القرآن ، ينفى العوج والتناقض عنه ، ولكنه لا يصلح أبدا أن يكون هو معنى " القرآن " في اللغة ، وقد ضعّف ابن عطية ( ت : 541 ه / 1146 م ) أيضا هذا الرأي « 3 » . بعد أن بيّنا بالأدلة الكثيرة اتفاق علماء المسلمين على أن لفظة " القرآن " عربية صرفة ، وأن اختلاف العلماء حول أصلها ومفهومها اللغوي إنما هو اختلاف تنوّع لا اختلاف تضاد ، وأنها مشتقة من الفعل " قرأ " ، وأن الاسم المصدري " قرآن " يقرأ أحيانا بدون همز للتخفيف . نذكر الآن المفهوم الشرعي المجمع عليه للقرآن الكريم . يعرّف ابن خلدون ( 732 - 808 ه / 1332 - 1406 م ) القرآن بأنه : " كلام اللّه المنزل على نبيه المكتوب بين دفتي المصحف . وهو متواتر بين الأمة " « 4 » . وعرفه آخرون بأنه : " الكلام المعجز المنزل على النبي صلى اللّه عليه وسلم المكتوب في المصاحف ، المنقول بالتواتر ، المتعبد بتلاوته " « 5 » ، وهذا التعريف قد جمع خصائص القرآن من الوحي ، والتنزيل ، والتواتر ، والتعبد بتلاوته . وكل هذا يؤكد إلهية المصدر الإلهى للقرآن ، وكذلك

--> ( 1 ) الزركشي . البرهان ج 1 ص 276 وما بعدها ، وانظر الخطيب البغدادي . تاريخ بغداد ، ج 2 ص 62 القاهرة 1349 ه ( 2 ) الزركشي البرهان ج 1 ص 277 279 . ( 3 ) المقدمة ج 3 ص 1028 . ( 4 ) المقدمة ج 3 ص 1028 . ( 5 ) الزرقاني - مناهل العرفان ج 1 ص 18 وما بعدها .