محمد محمد أبو ليلة
281
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
شيئا بخلاف مراد اللّه تبارك وتعالى كما ذكرنا من قبل ، هذا مع أنه فسرها على ما جاء في إحدى الروايتين وينبغي أن نأخذ في الاعتبار أن توقّف ابن عباس فيها ليس معناه أن الكلمة غير عربية ؛ فقد أورد ابن الصلاح في مقدمته بإسناده عن علي كرم اللّه وجهه أنه سئل عن معنى " الحنان المنان " ، فقال : " الحنان من يقبل على من أعرض عنه ، والمنّان الذي يبدأ بالنوال " « 1 » وأثبت علماء اللغة أن للفظة " حنان " وجود في اللغة العربية والسريانية والعربية الجنوبية القديمة « 2 » . كلمة " تحت " قالوا هي بالنبطية بمعنى بطني ؛ ولما وجدوا الكلمة بهذا المعنى تنطبق أكثر على الآية فَناداها مِنْ تَحْتِها أي من داخل بطنها تكلفوا القول بأن الكلمة نبطية وقالوا أن الذي ناداها هو عيسى عليه السلام وهو في بطنها ، وبالتالي صرفوا هذا الكلام عن جبريل عليه السلام ، ومن هنا قالوا إن مريم لم تكن نبية ولم يخاطبها جبريل وفي هذا تكلف أيضا . ففي السورة نفسها أن جبريل كما كان يخاطب الأنبياء بالوحي ، تمثّل لمريم بشرا سويّا وكلّمها وبشّرها وراجعته وطمأنها ؛ ثم إن كلمة " تحت " إذا فسرت ببطن لا يستقيم المعنى ، إذ لم يعرف أن المسيح تكلم وهو في بطن أمه ، والذي يثبته له القرآن وكذلك السنة هو معجزة الكلام في المهد ، لا في البطن . ومما تفيد معرفته في هذه القرينة ، أن النصارى لا يعتقدون في أن المسيح تكلم في المهد ، كما جاء في القرآن ، ويقولون إنه لا يوجد شئ يثبت ذلك في كتبهم ، مع أن كتبهم لا تحتوى إلا على القليل من حياة المسيح عليه السلام ، وهذا القليل لا يمكن أن يثبت في حد ذاته الوجود التاريخي للمسيح ، لذلك فقد شكك كثير من الكتاب الغربيين في وجود السيد المسيح عليه السلام . وهذا ما يقرره ابن عباس . ثم إن كلمة " تحت " لا تفيد غير الجهة التي هي أسفل والمنادى الذي كان ينادى على مريم أنه كان إما هو الملاك جبريل والذي كان في مكان أخفض من مكانها « 3 » أو كان عيسى عليه السلام هو الذي ناداها يطمئنها ، وهذا غير ممتنع وقوعه قبل معجزة المهد إذ أن إشارة مريم ، عند تعبير أهلها لها ، كانت إلى عيسى ، وفي كلام عيسى في المهد ما يوحى بأن حادثة مماثلة قد وقعت للطفل ، وقد كانت مريم متأكدة أنه عندما أشارت لهم إليه انه سينطق ببراءتها كما نطق بتسليتها . أما كلمة قِطَّنا ( ص : 16 ) فقد عدها القاسم أبو عبيد بن سلام نبطية وهي
--> ( 1 ) انظر ص 544 . وانظر ابن عطية المحرر الوجيز 9 / 437 والإتقان 1 / 85 وديوان طرفة قافية الضاد . ( 2 ) انظر عبد الصبور شاهين القراءات القرآنية ص 351 . ( 3 ) المحرر الوجيز 9 / 457 .