محمد محمد أبو ليلة

28

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

لا يوجد كتاب في العالم قد عني به أهله أكثر من القرآن ؛ بل إن هناك كتبا مقدسة تطبع بالملايين ، وتترجم إلى لغات العالمين ولهجاتهم ؛ بل ويدفع بها إلى الناس دون مقابل ، في أفخم الطبعات وأجمل الإخراج ، ومع هذا فإنها لا تجد من يقرؤها ، وليس يقرأ منها غالبا إلا في مناسبة دينية أو لدراسة علمية بحتة ، ولا يفوتنا أن نلفت النظر هنا إلى أن بعض هذه الكتب المقدسة قد فقد بالكلية ؛ ومنها ما بقي بعضه ودخله التحريف والتبديل . وننتقل الآن إلى نقطة أخرى مهمة أثارها الكاتب في سياق حديثه عن لفظة " قرآن " ؛ إذ يزعم أن المفهوم الإسلامي والمفهوم الاستشراقى لكلمة " قرآن " كلاهما له بعض الشواهد القرآنية التي تؤيده ، ولسنا ندري كيف سوّى المعارض بين المفهومين على الرغم من الاختلاف الواضح بينهما ، هذا من جهة ؛ ومن جهة أخرى أين هو هذا الدليل القرآني الذي يؤيد زعمه بأن لفظة " قرآن " سريانية الأصل ؟ إن كلمة " قريانا " التي جاء بها الكاتب ، والتي تختلف في شكلها وجرسها عن الكلمة العربية " قرآن " لا وجود لها في كتاب اللّه تعالى ، وبالتالي فإن القاعدة التي بنى عليها المستشرقون تفسيرهم خارجة أصلا عن نطاق النص ، وليس لها به أدنى تعلق ، وكون كلمة " قرآن " تقرأ بدون همز أو نبر إعمالا للّسان القرشي ، أو للتخفيف - كما سنذكره بعد بشيء من التفصيل - لا يعنى أنها منقولة من السريانية - كما زعم الكاتب ، إذ أن خلوّها من الهمزة ، والذي يجعلها قريبة في النطق ، إلى حدّ ما ، من كلمة " قريانا " ، لا يؤيد دعوى المستشرق في سريانيتها ؛ بل إن نطقها مهموزة وغير مهموزة فيه إشارة إلى كونها جارية على أصول العربية ، خاضعة للهجات العرب . ذكر ويلش أن الفعل " قرأ " ورد ذكره في القرآن سبع عشرة مرة ؛ كما أن كلمة " تلا " بمعنى " قرأ " قد استعملت في القرآن أكثر من الفعل " قرأ " ، وهذا صحيح من حيث المبدأ ؛ ولكننا لا نوافقه في النتيجة التي يحاول تقريرها ويشرئب إليها ، وهي أن كلمة " قرآن " مستعارة من اللغة السريانية ، وذلك بحجة أن الفعل " تلا " يوجد في القرآن أكثر من الفعل " قرأ " ؛ وفي الحقيقة فإن الكلمتين " تلا " ، و " قرأ " تستعملان كمرادفين في القرآن ، وإن كان هناك فرق دقيق بينهما لا يحصل إلا بمعرفة عميقة بأسرار اللغة وحس أهلها ؛ ولكي نوضح ذلك نقول إن الفعل " تلا " يعنى " قرأ بتتابع " ، و " قرأ من نص أو كتاب " ، وهي تفيد أيضا القراءة بصوت مسموع على الغير ، يقول تعالى : قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ( الأنعام : 151 ) ، وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً