محمد محمد أبو ليلة
278
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
يتبينوا حتى معاني بعض ألفاظه بما فيها تلك الألفاظ التي يدعى أنها غير عربية . وكون القرآن حاويا لكل شيء لا يستدعى اشتماله على ألفاظ غير عربية وإلا لوجب أن يضم أيضا ألفاظا هندية وصينية وغيرها مما قد يعد بالآلاف من لغات العالم ولهجاته . ثم إن اللفظ القرآني في بعض الحالات يعتبر لفظا متحولا بمعنى أنه يحمل معنى جديدا ويعطى مفهوما جديدا بحسب السياق في الآية أو مجموعة الآيات . إن هذا الأمر على فرض وقوعه لا يحتاج في نظرنا إلى مثل هذه التعليلات فاللّه أعلم حيث يجعل رسالته ، وحيث يختار لغة هذه الرسالة . ويذهب الخوئي أيضا إلى وجود ألفاظ غير عربية في القرآن ، ويرد على القائلين بأن الألفاظ الأعجمية ليست في فصاحة الألفاظ العربية ، قائلا بأنه إذا اجتمع فصحاء العالم ورغبوا في أن يستبدلوا لفظ " إستبرق " بكلمة أخرى لكاعوا وما استطاعوا ؛ وذلك لأنه ألطف في موضعه وأخف وأرق في أذن سامعه . وليس في لغة العرب ما يقوم مقام لفظه ، ولو عبرنا عنه بالكلمات بدل اللفظ الواحد ذهبت عنه الفصاحة جملة ، لأن الثياب المصنوعة من الحرير عرفها العرب من الفرس . ولم يكونوا يعرفونها ولا يصنعونها ولا وضعوا للديباج الثخين اسما ، وإنما عربوا ما سمعوا من العجم ، واستغنوا به عن الوضع لقلة وجوده عندهم وندرة جريانه على ألسنتهم « 1 » . ومن المهم أن نلفت النظر إلى أن كلمة " إستبرق " اسم لمادة معينة ويقابلها لفظة حرير في اللغة العربية وقد استعملها القرآن أيضا في وصف لباس أهل الجنة في قوله تعالى : وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ ( 23 ) ( الحج : 23 ) ، إلا أن العرب قد تركوا كلمة " إستبرق " على ما هي عليه في أصلها كدلالة على نوع خاص من الحرير وهذا لا يعنى خلو العربية من مثلها . وبعد أن استعرض أبو عبيد القاسم بن سلام أقوال العلماء في المسألة توسط في الأمر فقال إن هذه الأحرف أصولها أعجمية كما قال الفقهاء ( يعنى بعضهم ) ، لكنها وقعت للعرب فعربتها بألسنتها ، وحولتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها ، فصارت عربية ، ثم نزل القرآن وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب ، فمن قال إنها عربية فهو صادق ومن قال أعجمية فصادق أخذ بهذا القول الجواليقي في " المعرب " ، وابن الجوزي في " المدهش " ، وآخرون غيرهم « 2 » .
--> ( 1 ) الإتقان ج 107 ، 108 ووردت كلمة إستبرق في قوله تعالى : أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ ( الكهف : 31 ) . ( 2 ) السيوطي . الإتقان 2 / 108 .