محمد محمد أبو ليلة

270

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

والإعراب - الذي هو النحو - إنما هو الإبانة عن المعاني بالألفاظ ؛ وأعرب كلامه إذا استعمل فيه قواعد النحو ، ولم يلحن في الإعراب ؛ ومن الكلام " معرب ومبني " ؛ والإعراب كعلم قد ظهر فيما بعد . وليس يعنى ظهور علم النحو - ومنه الإعراب - في مرحلة متأخرة ، خلو القرآن واللغة العربية منه . إن اللغة العربية سليقة ولم يكن بين العرب من يلحن فيها ، بمعنى الخطأ في نطق الألفاظ والعبارات ، ولم يكن لأحد منهم لهجة عامية وأخرى فصحى ، كتلك اللهجات العامية أو العمياء التي انطلقت شرارتها فيما بعد ، عند احتكاك العرب بغير العرب ، إذ أن العرب لم تعرف اللحن إلا بعد دخول الموالى في الإسلام ، وتأثر بعض المخالطين لهم من العرب بلكنتهم ولحونهم ؛ ثم ازداد ذلك مع اتساع الفتوحات الإسلامية ودخول الكثير من غير العرب في الإسلام ، واندماجهم مع العرب « 1 » ؛ وبخاصة استعمالهم للغة العربية التي هي لغة القرآن والسنة ، مما جعل وضع علم النحو ضرورة للحفاظ على صفاء اللغة كلغة . أما القرآن فكان يقرأ هكذا تلقينا ، سواء قبل وضع علم النحو والإعراب أم بعده « 2 » ؛ وكان الصحابة رضوان اللّه عليهم يعرفون غريب القرآن عن طريق إعرابه . ودعوى المستشرقين ومن تأثر بهم من بنى قومنا ، أن الصحابة كانوا يلحنون في القرآن ، ولا يهتدون لإعرابه في عهد النبي صلى اللّه عليه وسلم ، دعوى جاهلة وباطلة قال : عمر وأبو بكر " حفظ إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه " « 3 » . وقد تكلم العلماء في إعراب القرآن ، ووضعوا فيه آثارا عظيمة أهمها " إعراب القرآن " للزجاج ( ت : 311 ه ) ، و " إعراب القرآن " للنحاس ( ت : 338 ه ) ، و " إعراب القرآن " لابن خالويه ؛ ومما ينبغي معرفته أيضا أن كون القرآن كان مجردا من النقط والشكل ، لا يدل على الجهل بالإعراب ولا بالقرآن أبدا . إن علماء المسلمين كما حثوا على إعراب القرآن لمعرفة معانيه وللتوصل إلى أسراره المذكورة ، حثوا أيضا على تجويد القرآن ، وتجويد كتابته ، وتفخيم خطه لإظهار جلالته وسموه ، شكلا وموضوعا . قال البيهقي : " من آداب القرآن أن يفخم ، فيكتب مفرجا بأحسن خط ، فلا يصغر ولا تقرمط حروفه ( أي لا يقارب بينها ) ، ولا يخلط به ما ليس منه . . . " . وقال النووي : " نقط المصحف وشكله مستحب ، لأنه صيانة له من اللحن والتحريف " .

--> ( 1 ) البيان والتبيين ج 1 ص 21 . ( 2 ) رسائل وفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 3 / 188 نفسه يقول ابن تيمية " والمكتوب في مصاحف هو كلام اللّه القرآن العربي الذي أنزل على نبيه صلى اللّه عليه وسلم سواء كتب ونقط ولفظ أو بغير شكل " . ( 3 ) انظر ابن الجزري . كتاب النشر في القراءات العشر 1 / 32 .