محمد محمد أبو ليلة
240
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
وتعزيته وتسليته صلى اللّه عليه وسلم : وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا ( 46 ) ( الإسراء : 106 ) ، وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا ( 32 ) ( الفرقان : 32 ) ، ومعنى لنثبت به فؤادك أي نقويه به ، أو نمكن القرآن في قلبك فلا يتفلّت منه . ولكن ينبغي أن نعرف أن القرآن ليس كتاب مناسبات ، وأن آياته لا ترتبط بأحوال محمد النفسية والعملية ، أو بظروف الدعوة وبموقف الرسول صلى اللّه عليه وسلم من المشركين أو من المجتمع الجاهلي بأسره كما يحاول أن يقرره المستشرقون . القرآن ليس كتاب مناسبات أو وقائع بل هو كلام اللّه القديم الذي جاء لإصلاح الإنسان وصلاح العالم ، وهو أوسع من أن تحده مناسبة أو يحيط به ظرف ، فكل المناسبات والظروف والأحوال تنتهى ، والقرآن باق أبدا ما بقيت السماوات والأرض ، حكم عدل وشاهد أمين على التاريخ والإنسان معا ، إنه إذن ليس من عمل محمد ، ولا هو صورة نفسية له صلى اللّه عليه وسلم ولا صدى للبيئة التي عاش فيها صلى اللّه عليه وسلم « 1 » ؛ وليس هو منتج ثقافيّ ؛ ولا مرآة عصر أو مصر بعينه ، كما يزعم المستشرقون والمتحررون من المسلمين ؛ ممن وهموا أنهم يجددون ، وهم في الحقيقة مقلدون دوارون في فلك الغربيين . اهتم المسلمون ، لا محالة ، برصد بعض المناسبات القرآنية ودراستها ، وتكلم علماؤهم عما نزل من القرآن بمكة ابتداء ووسطا وانتهاء ، وما نزل بالمدينة ، وما نزل بمكة وله حكم المدني والعكس ، وما نزل بمكة في أهل المدينة ، والعكس ، وما نزل بالجحفة ، وما نزل ببيت المقدس ، وما نزل بالطائف ، وما نزل بالمدينة ، وما نزل ليلا وما نزل نهارا ، وما نزل صيفا ، وما نزل شتاء ، وما نزل والنبي صلى اللّه عليه وسلم في فراشه ، أو في أسفاره وتكلموا كذلك في ترتيب السور ، وعن أسباب النزول العامة والخاصة ، وعن أول ما نزل وآخر ما نزل من القرآن ، وهكذا « 2 » .
--> ( 1 ) انظر على سبيل المثال أ . منجانا " القرآن " في دائرة معارف الدين والأخلاق 10 / 539 . يزعم هذا المستشرق أن القرآن ما هو إلا انعكاس لحالات الحب والبغض وسائر الانفعالات الحادة التي كان يعاني منها محمد . ( 2 ) انظر على سبيل المثال أ . منجانا " القرآن " في دائرة معارف الدين والأخلاق 10 / 539 . يزعم هذا المستشرق أن القرآن ما هو إلا انعكاس لحالات الحب والبغض وسائر الانفعالات الحادة التي كان يعاني منها محمد . انظر في ذلك السيوطي الإتقان 1 / 320 وما بعدها .