محمد محمد أبو ليلة
235
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
وأنشد أبو عبيدة : إذا اجتمعوا علي ألف وواو * وياء هاج بينهموا قتال « 1 » ومن المفيد ذكره في قرينة الحروف المقطعة ، الإشارة إلى ما أثاره خصوم اللغة العربية في تركيا ، بشأن الحروف العربية التي كانت مستخدمة في الكتابة باللغة التركية في تركيا . ففي هذا البلد المسلم مثلا ثار جدل حول الأبجدية ، إذ ادعى أعداء اللغة العربية أنها غير صالحة للتقدم ، وأن طريقة كتابة حروفها صعبة ، وأنها بالتالي ، هي السبب في أمية الفلاح التركي وتأخره ؛ ناسين كما يقول الأمير شكيب أرسلان أن سبب تأخر الفلاح هو الظلم الاجتماعي والانحطاط الاقتصادي « 2 » ؛ بل إننا نقول إن الظلم الاجتماعي هو سبب تأخر مجتمعات المسلمين جميعا ، وليس المجتمع التركي وحده . ورد أنصار اللّغة العربية بأنها أوفق من اللغة التركية وغيرها ، فإن شكل حروفها يمكن للبصر أن يميزه بسهولة وذلك بمجرد وقوع العين عليها ، ثم إنها مريحة للناظر ، وأصح للنظر عند القراءة والكتابة من الحروف اللاتينية . وأخيرا نقول إن للحروف المقطعة في القرآن الكريم أسرارا ومعاني ، لا يعرفها على الوجه الأكمل سوى اللّه تعالى ، وهذه الحروف ليست مجموعة من الحروف الجامدة ضم بعضها إلى بعض لغير معنى ، ولغير غاية ، إنها ليست شكلا بلا جوهر أو رسما بلا معلم . إن القرآن الكريم ، كتاب علم من أوله إلى آخره ، والحروف المقطعة ، التي وضعت على هذا النحو في أوائل بعض السور لها معان كسائر آيات القرآن بلا شك ؛ ولو أنها وضعت كرمز صامت ، أو شكل خال من المعنى لما تنوعت من الحرف إلى الحرفين ، إلى الثلاثة ، والأربعة ، والخمسة ، ولما لازمت أوائل السور التي أنزلها اللّه تعالى فيما أنزل من القرآن ، ولما أعطى اللّه تعالى بعض الإشارات إلى معانيها في الآيات التي تليها ، وترك للعقل أن يبحث ويتأمل ، وما ذلك إلّا لأن القرآن قد استهدف العقل الغافل فنبهه واستثاره ليتفكر ويتدبر في القرآن ومادته من حروف وكلمات ومعان ، وبيان ونظم ، وفي الكون ومادته ، من سماء وأرض وأنهار وبحار ومعادن وزروع وإنسان وحيوان ، وطير ، وهام .
--> ( 1 ) نسبه المبرد في المقتضب لأبى النجم ( 1 / 37 ) ونسبه صاحب مجاز القرآن لكعب بن جرير ( انظر : لسان العرب مادة حمم ) . ( 2 ) انظر : لوثروب ستودارد . حاضر العالم الإسلامي . ترجمة عجاج نويهض . مع تعليقات لأمير البيان شكيب أرسلان بيروت . دار الفكر 1394 - 1972 ج 2 ص 392 .