محمد محمد أبو ليلة

226

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

وعلى هذا يمكن أن نقول إن هذه الحروف المنزلة يصح أن نعتبرها دلالات على اللغة الإلهية الأم التي علمها اللّه تعالى لآدم عليه السلام ، والتي تفرعت عنها جميع اللغات في العالم ، وكما أن آدم هو أصل الجنس البشرى ، الذي اختلف لونه ولسانه ، ولكنه ينتمي إلى أصل واحد هو آدم ؛ والحروف المقطعة وإن خفي عنا معناها ، فإن كلّ حرف منها محمل بطاقة هائلة من المعاني الربانية والألطاف الروحانية ، ولا يدركها ، ولا يشعر بها إلا أولو النهى والبصائر ؛ تأتى هذه الحروف في ابتداء تسع وعشرين سورة من سور القرآن بعد الفاتحة ، وتسمى هذه الحروف أحيانا ، بأوائل السور ، وأحيانا بفواتح السور ، وأخرى بالحروف المقطعة ؛ وذلك لأنها لا تأتى إلا في أوائل السور فقط ؛ وقد عرفت هذه الحروف في اللغات الأوروبية ، بصفة عامة ، بالحروف الغامضة أو الملغزة ؛ وهذا التعبير الأخير هو الذي اختاره الكاتب ويلش عنوانا لهذا الموضوع . والحروف المقطعة متنوعة بين الحرف ، والحرفين ، والثلاث ، والأربع ، والخمس ؛ يقول ويلش " لأربعة عشر قرنا ظلت هذه الحروف موضع غموض وحيرة لعلماء المسلمين ، إذ يرى بعض العلماء أن فيها اختصارا لعبارات ما ، على سبيل المثال " الر " ، اختصار للرحمن ، " ألم " للرحيم ، " حم " للرحمن الرحيم ، " ص " صادي يا محمد ، " يس " يا سيد المرسلين . . . الخ . وروى عكرمة وغيره عن ابن عباس أن " الر " ، و " حم " ، و " ن " معا رموز لقوله : " الرحمن " ، استعرض الكاتب آراء العلماء الاجتهادية في معنى هذه الحروف ، كما أوردها السيوطي ؛ واعتمد ويلش ما قرره الأخير بأن علم هذه الحروف غير معروف حق المعرفة إلا للّه تعالى . وسوف نستعرض هذه الآراء وغيرها مما لم يقف عليه الكاتب من أسرارها ومعانيها ، أو ما رأى هو الاستغناء عنه على الرغم من أهميته للبحث . ومن المفيد أن نشير هنا إلى أن فواتح السور قد كتبت على صورة الحروف أنفسها ، لا على صورة النطق بها ، فلم تكتب مثلا " ن " صوتيا هكذا " نون " ولم تكتب " ألم " بحسب نطقنا لها " ألف لام ميم " وقطعت حم ( 1 ) عسق ( 2 ) ولم تقطع المص و كهيعص « 1 » وذلك إما لسر يعلمه اللّه ، وإما لشهرتها وقراءتها توقيفا .

--> ( 1 ) الإتقان ج 4 ص 158