محمد محمد أبو ليلة
221
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
للتشريع الإسلامي ، وليس كل ما سكت عنه القرآن ونطقت به السنة لا يؤخذ به ولا يثبت حكمه ؟ على أنه يمكن أن يقال أيضا في توجيه مثل هذه الروايات أن بعض الصحابة ربما سمع النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول قال اللّه تبارك وتعالى كذا ، يقصد في الحديث القدسي مثلا « 1 » فظنوه قرآنا ، وكان ذلك في أول الوحي وما قلناه في آية الرجم وآية " وادى الذهب " ينطبق أيضا على ما جاءت به بعض الروايات الغريبة بشأن شهداء بئر معونة من الحفاظ في السّنة الرابعة من الهجرة ، وحزن النبي صلى اللّه عليه وسلم عليهم ، وما وضع على ألسنتهم من هذا القول : " بلغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضى عنا ورضينا عنه " رواه البخاري ومسلم في عدة مواضع باختلاف في ألفاظ الحديث ، وقال السهيلي في " الروض الأنف " عدّ بعض العلماء أن مثل هذا الكلام كان قرآنا ثم نسخ . ولسنا ندري إذا كان هذا الكلام قرآنا لما ذا نسخ ؟ هل كان النسخ لأن قرآنيته قد ذهبت ؟ أم لأن الرأي اختلف في قتلى بئر معونة ، فلم يعد اللّه راضيا عنهم ولم يعودوا هم راضين عن اللّه ؟ قال ابن عباس " فلا أدرى من القرآن هو أم لا " ؟ وفي رواية زهير قال " فلا أدرى أمن القرآن هو أم لا " نقول : مثل هذا الكلام فيه تشويش وتهويش على القرآن ؛ ولولا أن اللّه تعالى تكفل بحفظه ، واستقر ذلك في أذهان الأمة وقلوب المسلمين قرونا ، لأضرت مثل هذه الروايات المشبوهة بالقرآن ، ومن ثم بالإسلام والمسلمين . روى عن عائشة قولها : " وكان فيما أنزل اللّه عشر رضعات معلومات يحرمن " ورد هذا الحديث بعبارات مختلفة وقد رده علماء أفذاذ كالجصاص « 2 » ، على سبيل المثال ، وذلك لأسباب قوية ذكرها . وأما حديث عائشة فغير جائز اعتقاد صحته على ما ورد ، وذلك لأنها ذكرت أنه " كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات فنسخن بخمس ، وأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم توفى وهن مما يتلى " . كيف يجوز ذلك والنص على العشر أو الخمس ، أعنى الناسخ والمنسوخ كلاهما ليس له وجود في القرآن ؟ وأهم من ذلك وأخطر على عصمة القرآن أن هذا الكلام يجيز
--> ( 1 ) انظر الطبرسي . مجمع البيان 1 / 18 - 20 ، وابن شاذان كتاب الإيضاح 112 ، ومصطفى زيد النسخ في القرآن 1 / 281 . ( 2 ) انظر : كتاب الخصائص 2 / 125 .