محمد محمد أبو ليلة
195
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
لقد نبهنا مرارا إلى أن ترتيب سور القرآن لم يكن اجتهاديا ؛ بل توقيفيا ، لا دخل للعقل ولا للمنهجية البشرية فيه ؛ فللقرآن منهج ونسق خاصين به ، بل إنني قد أغامر فأقول إن هذا الترتيب المعجز لسور القرآن يعتبر من قبيل المتشابه الذي يحتاج إلى إعمال الذهن للتوصل إلى العلاقات التي تجمع بين أجزاء القرآن من أوله إلى آخره والتي قد تبدو غير واضحة أحيانا . ليس في القرآن خلل البتّة ولا عوج ولا اختلاف أبدا لا في ترتيب السور ولا في ترتيب الآيات . لقد تكلم علماؤنا في مناسبة الآيات والسور القرآنية ، وأفرده جماعة منهم بالتأليف ربما كان من أولهم أبو جعفر بن الزبير شيخ أبى حيان الذي ألف كتابا سماه " البرهان في مناسبة ترتيب سور القرآن " ، وللشيخ برهان الدين البقاعى السورى ( ت : 885 ه / 1480 م ) ، كتاب بعنوان " نظم الدرر في تناسب الآي والسور " كذلك ألف السيوطي كتاب " تناسق الدرر في تناسب السور " ؛ وكما تكلم بعض المفسرين في موضوع ترتيب السور والآيات يقول الفخر الرازي عند تفسيره لسورة البقرة على سبيل المثال : " ومن تأمل في لطائف نظم هذه السورة ، وفي بدائع ترتيبها ، علم أن القرآن كما أنه معجز بحسب فصاحة ألفاظه ، وشرف معانيه ، فهو أيضا معجز بسبب ترتيبه ونظم آياته ، ولعل الذين قالوا : إنه معجز بسبب أسلوبه أرادوا ذلك ، إلا أنى رأيت جمهور المفسرين معرضين عن هذه اللطائف غير منتبهين لهذه الأسرار ، وليس الأمر في هذا الباب إلا كما قيل : والنّجم تستصغر الأبصار صورته * والذّنب للطّرف لا للنّجم في الصّغر ويعرّف السيوطي المناسبة بقوله هي في اللغة المشاكلة والمقاربة ، ومرجعها في الآيات ونحوها إلى معنى رابط بينهما ، عام أو خاص ، عقلي أو حسى أو خيالي ، أو غير ذلك من أنواع العلاقات أو التلازم الذهني ، كالسبب والمسبب والعلة والمعلول ، والضدين ، ونحوه " . ويبين فائدتها بقوله إنها : " جعل أجزاء الكلام بعضها آخذا بأعناق بعض فيقوى بذلك الارتباط ، ويصير التأليف حاله حال البناء المحكم المتلائم الأجزاء " « 1 » . أما الشيخ عز الدين بن عبد السلام فقد اعترض على القول بوجود مناسبة بين سور القرآن وآية ؛ واعتبر البحث في ذلك تكلفا وذلك بحجة " أن ارتباط الكلام لا بدّ وأن يقع في أمر متحد مرتبط أوله بآخره ، والقرآن قد نزل في نيف وعشرين سنة ، وفي أحكام مختلفة ، شرعت لأسباب مختلفة ، وما كان كذلك لا يتأتى ربطه بعضه ببعض . " وقد رد الشيخ ولى الدين
--> ( 1 ) الإتقان ج 3 ص 323 - 324 .