محمد محمد أبو ليلة
180
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ ( 12 ) ( الصافات : 12 ) « 1 » . إذ قرأها عامة أهل الكوفة وعامة قراء المدينة والبصرة ، وهي قراءة ابن مسعود أيضا ، بَلْ عَجِبْتَ بضم تاء عجبت ، على معنى أن اللّه تعالى هو المتعجب . وقرأ بعض قراء أهل الكوفة " بل عجبت " بفتح التاء في عجبت . وهي على هذه القراءة الأخيرة ، تنسب العجب إلى محمد صلى اللّه عليه وسلم ، بمعنى بل عجبت أنت يا محمد ، وأنهم يسخرون من القرآن . يزعم هذا المستشرق أن العلماء هم الذين اخترعوا هذه القراءة الأخيرة من عند أنفسهم فرارا من إسناد العجب الذي يتضمن معنى الغفلة وقلة العلم ، إلى اللّه تعالى . هذا مع أن القراءتين واردتين عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولا بأس على من قرأ بهما أو بأحدهما ؛ أضف إلى ذلك أن لفظ " العجب " نسب إلى اللّه تعالى في السنة « 2 » ، فعلى سبيل المثال ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : " عجب اللّه من قوم يدخلون الجنة في السلاسل " « 3 » ، بمعنى أن اللّه تعالى يجرهم إلى الجنة بالسلاسل ، أي للطفه تعالى ، ورحمته بهم ، فهو يكرههم على عمل الطاعات الموصلة إلى الجنة ؛ وقد أبطلنا دعوى الوضع في القراءات أصلا ، ودللنا عليه بما فيه الكفاية . قال الحافظ أبو عمرو الداني في كتابه " جامع البيان وأئمة القراء " لا تعتمد في شئ من حروف القرآن على الأفشى في اللغة والأقيس في العربية ؛ بل على الأثبت في الأثر ، والأصح في الراوي ؛ والرواية إذا ثبتت عندهم لا يردها قياس عربية ولا فشو لغة لأن القراءة سنة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها " « 4 » . لم يفت المستشرقون أن يشيروا إلى بعض الزيادات الواردة في مصحف أبي بن كعب ، حيث جاءت في بعض الأخبار أن عدد سور القرآن في مصحف أبىّ ، ست عشرة ومائة سورة ؛ لأنه كتب في آخره سورتي الحفد « 5 » ، والخلع . أخرج أبو عبيد عن ابن سيرين ، قال كتب أبي بن كعب في مصحفه فاتحة الكتاب
--> ( 1 ) جولد زيهر " المذاهب الإسلامية في تفسير القرآن " - ترجمة على حسن عبد القادر . القاهرة مطبعة العلوم 1944 ص 20 . ( 2 ) الراجحى اللهجات ص 202 . ( 3 ) صحيح البخاري - جهاد 144 ؛ سنن أبي داود - جهاد 114 ؛ مسند أحمد 3 : 2 ، 3 ، 6 : 4 ، 448 ( 4 ) السيوطي الإتقان ج 1 ص 211 . والزرقاني - مناهل العرفان ج 1 ص 422 . ( 5 ) حفد حفد حفدا وحفدانا واحتفد : خفّ في العمل وأسرع . وحفد يحفد حفدا : خدم قاله الأزهري الحفد في الخدمة والعمل الخفة . انظر ابن منظور . لسان العرب . ج 3 ص 153 .