محمد محمد أبو ليلة
178
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
في الصدور وأنه كان يتلقى مشافهة ، لا خلاف في ذلك عند أحد . لقد وضع العلماء ضوابط لقبول القراءة ، من أهمها تواتر الرواية ، وصحة السند ، وموافقتها للعربية . قال ابن عبد البر في معنى الحروف التي تنزل عليها القرآن : " إنها معان متفق مفهومها ، مختلف مسموعها ، لا يكون في شيء منها معنى وضده ، ولا وجه يخالف معنى وجه خلافا ينفيه ويضاده ؛ كالرحمة التي هي خلاف العذاب وضده . " وذكر أن أبي بن كعب كان يقرأ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ ( البقرة : 20 ) " مروا فيه " ، " سعوا فيه " ؛ وكان بين ابن مسعود يقرأ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا ( الحديد : 13 ) ، " أمهلونا " ، " أخرونا " . قال الطحاوي : " وإنما كان ذلك رخصة ، كما كان يتعسر على كثير منهم التلاوة بلفظ واحد لعدم علمهم بالكتابة ، والضبط ، وإتقان الحفظ ، ثم نسخ بزوال العذر وتيسر الكتابة والحفظ " ؛ وبه قال ابن عبد البر والباقلاني وآخرون . « 1 » ومن أمثلة الخلاف بين المصاحف : " ملك وملك " ، و " يخدعون ويخدعون " ، و " أوصى ووصى " وغيره كثير في القراءات المشهورة . وقراءة ابن مسعود و " الذّكر والأنثى " في قوله : وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى ( 3 ) بحذف عبارة " ما خلق " . وقراءة ابن عباس : ( وكان وراءهم مّلك يأخذ كلّ سفينة " صالحة " غصبا ) بإبدال كلمة " وراء " ، وبزيادة كلمة " صالحة " ، وهي زيادة تفسيرية لا قرآنية ، ونحو ذلك ، مما رواه الثقات . وقراءة ابن مسعود " كالصوف المنفوش " بدل كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ ، ( فناداه جبريل ) بدل " فنادته الملائكة " ، وقوله تعالى : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ ( آل عمران : 19 ) عند ابن مسعود ( إن الحنيفية ) ، وقراءة سعد بن أبي وقاص : ( وله أخ أو أخت " من أم " ) ( النساء : 12 ) ، وقراءة عائشة وحفصة رضي اللّه عنها : حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى " صلاة العصر " ( البقرة : 238 ) « 2 » ، وقراءة ابن عباس : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ " في مواسم الحج " ( البقرة : 198 ) . ( أخرجه البخاري ) .
--> ( 1 ) السيوطي . الإتقان 1 / 134 ، 135 . ( 2 ) المصدر نفسه 1 / 227 - 228 .