محمد محمد أبو ليلة
176
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
هذا أولا ؛ وأما ثانيا فإن قوله " وقد قرأت من في رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مثله " ، أو ما جاء في الرواية الأخرى : " أفأترك ما أخذت من في رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم " « 1 » . على أنه يمكن لنا أن نتساءل أيضا كيف يأمر ابن مسعود الناس هكذا بالإطلاق أن يحتفظوا بمصاحفهم ، وهو بعد ، لم يطالعها جميعا للتأكد من سلامتها ، وبخاصة وأن ابن النديم يخبرنا أن محمدا بن إسحاق رأى عدة مصاحف ذكر نساخها أنها مصحف ابن مسعود ، ليس فيها مصحفين متفقين ، وأكثرها في رق كثير النسخ « 2 » . أضف إلى ذلك رجوع ابن مسعود عن رأيه ، واعتناقه لإجماع الصحابة على سلامة مصحف عثمان رضي اللّه عنه مصدرا وكتابة ؛ وما أورده صاحب " المباني " من أن الصحابة كرهوا موقف ابن مسعود ، على الرغم من إجماعهم على جودة ترتيله وحلاوة قراءته ، وعتبوا عليه غضبه على عثمان وزيد بن ثابت رضى اللّه عنهم أجمعين ، حتى لقد قيل إن عبد اللّه بن مسعود رجع عن رأيه وندم على ما قال واستحيا منه . روى أبو وائل هذه القصة ثم قال عقيبها ، إن عبد اللّه استحيا مما قال ، فقال : " ما أنا بخيرهم " ، ثم نزل عن المنبر . وقالوا إن سبب عدم إثبات الفاتحة والمعوذتين في مصحفة كان بسبب شهرتها وحفظ الكبير والصغير ، والرجال والنساء لها ، ولما كان سبب كتابة المصحف هو الخوف عليه من الضياع ، لم يكتبهما ابن مسعود لذلك ، علما بأنه وجد من بين من قرأ عليه من أثبت هذه السور في مصحفه « 3 » .
--> ( 1 ) أو قوله : " واللّه لا أدفعه ( يعنى مصحفه ) أقرأنيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم " . وحدث جرير عن الأعمش قال : قيل لعبد اللّه بن مسعود لم لم تكتب فاتحة الكتاب في مصحفك ؟ قال " لو كتبتها لكتبتها مع كل سورة " قال أبو بكر الأنباري يعنى أن " ركعة سبيلها أن تفتتح بأم القرآن قبل السورة المتلوة بعدها ، فقال " اختصرت بإسقاطها ، ووثقت بحفظ المسلمين لها ولم أثبتها في موضع فيلزمنى أن أكتبها مع كل سورة إذا كانت تتقدمها في الصلاة " وقع هذا على سبيل الاجتهاد من ابن عمر ولا نقول مع ذلك أنه أصاب هو وأخطأ جمهور المهاجرين والأنصار . انظر تفسير القرطبي 1 / 99 وكتاب المصاحف ص 13 وما بعدها . ( 2 ) الفهرست ص 40 . ( 3 ) انظر : جفرى مقدمتان في علوم القرآن 93 ، 94 .