محمد محمد أبو ليلة

168

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

القرآن . يزعم برتون ومعه المستشرق شخت أن علمي الحديث والفقه قد أثّرا في عملية تزايد عدد الروايات الخاصة بجمع القرآن ؛ كما يدّعى أن هذه الروايات كانت من صنع المحدثين والفقهاء صنعوها بغرض تأييد ما ذهبوا إليه من القول بالناسخ والمنسوخ . من خلال هذا الاستعراض التحليلي للروايات ظهر أن برتون لم يستطع أن يسوق الأدلة على صحة رأيه ، كما أنه لم يسلك طريقة مقنعة في مناقشته للموضوع . وبالرغم من هذا فإنه مما يحسب له أنه لم ينكر شخصية زيد بن ثابت نفسه كما فعل غيره من المستشرقين ؛ ولو فعل لما استكثرنا عليه ذلك . إن روايات جمع القرآن كلها يربطها خيط واحد رفيع ومتين وهذا الخيط ينتهى بنا إلى الحقيقة الصارمة ، وهي أن القرآن قد كتب في حياة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وأن كل وسائل الحفظ والضبط الممكنة قد استخدمت لتأمين النص القرآني ، وسلامة نقله ، وأنه جمع في أول خلافة أبى بكر ثم في خلافة عثمان رضي الله عنه . ونتساءل مع مولانا محمد على ، كيف يستمر القرآن بدون ترتيب سواء بالنسبة للآيات أو بالنسبة للسور في حياة النبي صلى اللّه عليه وسلم ؟ إن القرآن لم يكن يتلى فقط في الصلاة الجهرية والسرية ، لكنه كان يحفظ في الصدور ، ويكرر المرة بعد المرة خوفا من التفلت والنسيان . فإذا لم يكن القرآن بالترتيب الذي بين أيدينا الآن فكيف كان يقرأ في الصلاة ؟ وكيف كان يحكّم في الأمور ويضمّن في الخطب ؟ إذا أمكن ذلك ، وهو غير ممكن ، إذن فكيف عبر اللّه عن القرآن بالكتاب ؟ وقد كان أبو موسى وعبد اللّه بن مسعود وغيرهما يقرءونه آناء الليل وأطراف النهار ، ويختمونه ، ثم يعاودون قراءته من جديد وهكذا ؛ وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم يقرؤه لهم ويسمعه منهم ؛ وكان صلى اللّه عليه وسلم يقرؤه بترتيبه الذي بين أيدينا ؛ وكان صلى اللّه عليه وسلم يحدد السورة والآية في السورة للصحابة . وإن أيّ خطأ يحدث في