محمد محمد أبو ليلة

160

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

لديه هو الصواب ، وأن ما عند غيره ، هو بالضرورة ، الخطأ ، ويلام المرء كذلك على إهمال قيمة الأدلة العلمية ، وإهدار مدلولاتها من أجل تأييد نتائج وضعت مسبقا . إننا لا نشك في صحة روايات جمع القرآن ، لأن الأدلة على صحتها كثيرة ومتضافرة ؛ ووجود القرآن بنصه المنزل حتى اليوم خير شاهد على جهود المسلمين وجهادهم في حفظ القرآن . " والحقّ يدفع ترّهات الباطل " « 1 » . ونعود مرة أخرى إلى هذه النقطة لنلقى بعض الضوء على دور عثمان بن عفان في جمع القرآن . ذكرنا فيما سبق ، أن القرآن كان مبثوثا في الأمصار الإسلامية في الجزيرة العربية ، ومصر ، والبحرين ، وعمان ، واليمن ، والعراق ، وبلاد فارس ، وغيرها . وكانت المصاحف موجودة بكثرة في كل هذه البلاد ؛ وكان القراء يملئونها بأعداد لا يحصيها إلا اللّه تعالى « 2 » ؛ فلو قصد عثمان ما ادعوه ، لما قدر عليه أصلا ؛ فقد كان في هذه البلدان عند موت الخليفة عمر رضي اللّه عنه ، مائة ألف مصحف ؛ وأما القول بأن عثمان جمع الناس على مصحف واحد ، وأمر بحرق ما عداه من المصاحف ، فباطل ؛ إنما كتب عثمان المصحف الإمام ، بإقرار من جميع الصحابة لسدّ الباب على المحرّفين والمبطلين من أن يشككوا في القرآن ، وأيضا ليكون هذا المصحف بمثابة الحكم عند الخلاف والقاضي عند التنازع . وكانت القراءات المتعددة دائرة وسائرة بين المسلمين ، وهي موجودة إلى اليوم ، مضبوطة ومجموعة ، وهي جزء من التنزيل ؛ بل إن القراءات الشاذة قد وجدت من يهتم بها ويجمعها « 3 » ، حتى ما ينسب إلى الرافضة من الزعم بتحريف عثمان رضي اللّه عنه للقرآن قد لا يكون صحيحا . وعلى الرغم من أن الروافض ليسوا من فرق المسلمين ، فإن هذا القول المنسوب إليهم يحتاج إلى إعادة نظر ؛ إذ يصر بعض علماء الشيعة على تبرئتهم من اتهام عثمان بتحريفه للمصحف ، ويعلن بعض أعلام

--> ( 1 ) شطرة من بيت ذكره ابن جنى في الخصائص 1 / 337 . ( 2 ) انظر : ابن حزم الفصل في الملل والنحل 2 / 79 . ( 3 ) الفصل 2 / 82 وما بعدها .