محمد محمد أبو ليلة
154
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
وبهذا المعنى وردت كلمة " جمع " في كلام عبد اللّه بن مسعود ، قال : " من جمع القرآن فقد حمل أمرا عظيما ، وقد أدرجت النبوة بين جنبيه إلا أنه لا يوحى إليه " فجمع هنا بمعنى حفظ ؛ ومنه قول السيوطي : " ظفرت بامرأة من الصحابيات جمعت القرآن " وهي ، على ما أورد ابن سعد في الطبقات ، " ورقة بنت عبد اللّه بن الحارث " ، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يزورها ويسميها الشهيدة ، وقد حفظت القرآن كله ، وأمرها النبي صلى اللّه عليه وسلم أن تؤم أهل بيتها في الصلاة « 1 » . وأما بخصوص ما قيل من أن عثمان هو الذي جمع القرآن ؛ فصحيح لكن بشرطه ، فعثمان رضي اللّه عنه جمع القرآن لكن بمعنى مختلف عن جمع أبى بكر له . لقد كان جمعه بغرض تجميع المسلمين على قراءة واحدة ، وكان جمع القرآن على عهد عثمان هو الجمع الثالث ، وليس الجمع الأول . روى البخاري عن أنس أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان ، وكان يغازي أهل الشام في أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة ، فقال لعثمان أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى ؛ فأرسل عثمان إلى حفصة رضي اللّه عنها أن أرسلى إلينا الصحف ننسخها في المصاحف ، ثم نردها إليك . . . الحديث ؛ وشكّل عثمان جماعة تقوم بذلك ، ووضع لها منهج العمل « 2 » . وهذا هو جمع عثمان بن عفان رضي اللّه عنه وما تميز به ، إنه جمع قراءة ، كما ذكرنا ، لا جمع صحف فقط ؛ فقد كان القرآن مجموعا محفوظا عند حفصة بنت الخليفة عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، في صحف كانت تسمى الربعة « 3 » ؛ وفي حديث البخاري المذكور ، ما يفيد شيوع القرآن بين الناس ، وحفظ الأطفال له ، وعناية الأمّة كلها به ، وينبغي ألا يفوتنا ملاحظة انزعاج الخليفة عثمان رضي اللّه عنه ومبعوثه حذيفة بن اليمان ، لتنازع الناس في طريقة كتابة القرآن وطريقة قراءتهم له ؛ وفي هذه القرينة نذكر أنه كم هو عجيب أن
--> ( 1 ) انظر الإتقان 1 / 203 - 204 . ( 2 ) البخاري " فضائل القرآن " ، والسيوطي " الإتقان " 1 / 169 ، والزركشي . البرهان 1 / 236 . ( 3 ) المصدر نفسه 170 .