محمد محمد أبو ليلة

140

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

وهناك أشكال أخرى لهذه الكلمات المزعومة تغنى عنها هذه الستة ؛ وهذا الاختلاف في رسم هذه العبارات المعدودة والمحدودة ، لأكبر دليل على وضع هذه الحكاية . وأخيرا نسأل أين هو حتى اسم " الغرانيق " ، فيما يعرف من " أدب الفترة " ، أو " الأدب الجاهلي " ، شعره ونثره ؛ إن الكلمة لا وجود لها في شعر العرب . ولا يعرف البتّة أن العرب سمّت آلهتها بهذا الاسم الغريب ، كما لاحظ بحق الشيخ محمد عبده ؛ ولم يعرف أن العرب سمت الملائكة بالغرانيق كما زعم ابن الكلبي في روايته الضعيفة المردودة ، ولا يمكن أن يخاطب القرآن العرب بكلام غريب عليهم ، وبخاصة ما يتصل بأكبر قضاياهم ، وهي قضية الوثنية . يتبين من كل هذا أن حكاية الغرانيق مدسوسة على التفسير وعلى المحدثين ، وهي من وضع زنديق مدلس عدو للدين والأنبياء . يقول القاضي عياض : " ولا شك في إدخال بعض شياطين الإنس أو الجن هذا الحديث على بعض مغفّلى المحدثين ليلبس به على ضعفاء المسلمين " « 1 » ؛ وللأسف فقد تلقفها بعض المفسرين وبعض المحدثين وبعض من ينتسبون إلى العلم وجعل يتحايل على تأويلها وإثباتها والتوفيق بينها وبين الآيات ، والأحاديث الواردة حول عصمة النبي صلى اللّه عليه وسلم فأساء بذلك إلى الدين وفتح بابا للملحدين أن يشككوا في صحة القرآن وسلامة الإسلام . ومن هؤلاء ابن حجر العسقلاني حيث إنه قد دافع عنها وفند آراء القائلين ببطلانها وضعف آراءهم ، وعضّد الروايات الواردة بها « 2 » .

--> ( 1 ) الشفا ج 2 ص 295 . ( 2 ) انظر : فتح الباري شرح صحيح البخاري ج 8 ، ص 439 ، 440 - 441 ، دار المعرفة - بيروت 1960 م .